هو الدّين بيقول إيه؟

(1) مُقدّمة

لا أخفيك سِرَّاً إني مُهتم بدراسة بِنية الدِّين، بس مش البُعد اللاهوتي للدِّين لأن ده كل النَّاس بتتكلِّم فيه ولكن إهتمامي هو البِنيه المَعرفيَّه للدِّين وإنعكاس البِنيه دي على خِطاب الدِّين وعلى المُجتمع. خلينا نسيب الجانِب اللاهوتي ونحاول نجاوب سؤال عادِل إمام في فيلم حسن ومرقس و وندردش في أبعاد تانيه ذات صِله، وهي التَّفسير والمعرفه.

مبدئياً خلينا نفكِّك الخناقه اللي دايره حالياً حوالين مؤسسة تكوين واللي هايجُر الأقباط ليها تصريح الأنبا إرميا. وإن كانت الخناقه دايره أساساً في الوَسَط القبطي من ساعة خلافات البابا شنوده مع الأب متى المسكين وجورج حبيب بباوي ومن بعد الجيل ده جيل ال Orthodox Revivalism أو الصَّحوه الأرثذوكسيه وحُماة الإيمان. السؤال اللي بيربط كل ده ببعضه هو “هو الدّين بيقول إيه؟” بس قبل ما نحاول نتقصَّى بيقول إيه خلينا نرجع خطوه لورا، هو يعني إيه “الدّين” أصلاً؟

أكاد أجزم إن الأطراف المُتنازعه السَّابِق ذكرها لَن تتفِق على توصيف ظاهرة الدِّين. الدِّين هنا مينفعش يُختزل في التَّعريف الأكاديمي وهو الإيمان بوجود كيان مُفارِق أسمى وهو “الإله”، وحتى تعريف زي ده هايُقصي البوذيّه مثلاً. التّعريف ده لا يُعبِّر عن الدِّين بالنِّسبه لأي من الأطراف المُتنازعه، هو مش مُجرَّد conviction أو قناعَه راسخه بوجود إله، لأن الموضوع بيمتَد لمساحه تانيه وهو صِفات الإله ده، ومصادِر معرفته، وتحديدات معرفة رسالته وأغراضه من خلق البشر. وأكاد أجزم بردو إن الفئات المُتنازعه مش هاتتفق على النقط اللي فاتت دي. في المسيحيَّه مثلاً في صِراع كبير حوالين الخلاص حصل إزاي، حوالين فكرة البدليّه العقابيّه والنظريّه الشفائيّه، وكل طَرَف بيختلف مع التّاني في رؤيته لعَمَل الإله أو “صفاته”، وفي خلاف تاني بخصوص مدى قدرة المؤمن على معرفة الإله من خلال نصوص العهد القديم، ودي إشكاليه قديمه قِدم الكنيسه، ويمكن واحد من أقدَم اللي إصطدمو مع الكنيسه (مارسيون السينوبي) كان عنده طرح مُبكِّر جداً للإشكاليّه دي.

أما في الجانِب الإسلامي ففي خِلاف كبير حوالين باب الصِّفات، وفي جَدَل كبير بيصِل إلى حَدّ التَّبديع (الوَصم بالبِدعه) بين 3 مجموعات ذات منهجيَّات مُختلفه في التَّعامُل مع النّصوص، مجموعه بتاخد النَصّ بما صَرَّح بظاهره، ومجموعه بتأوِّل النَصّ على ما يليق بذات الإله، ومجموعه بتفوَّض المعنى يعني بتقول إن المعنى من بعض النِّقاط في النصّ معلوم لله فقط. طبعاً الموضوع مش بالبساطه دي، بس أنا بحاول أختزل التقسيمات عشان الفكره توصل.

طيب النّاس المُختلفه دي مُختلفه ليه؟ ده السؤال المُهمّ، هل الخِلاف هنا خِلاف صَحّ وغلط؟ يعني هل في فرقه صَح والباقي كلّهم غلط وأخطأوا الإستدلال؟ بالنسبه لكل فرقه فيهم في الجانِب المسيحي والجانِب الإسلامي آه، كل فرقه شايفه نفسها صَح والباقي إستدلّ إستدلال فاسِد. طب هلّ محدِّش عندُه حُجَجَ؟ لأ بالعكس، الكُل عنده حُجَجَ. طب إزاي الكُل عنده حُجَجَ والكُلّ شايف الباقي غلط؟ في وجهة نظري الإشكاليّه هي في النَظَر للتُراث الدّيني بإعتباره وِحده واحده مُتَّسِقه مالهاش غير قراءه واحده صحيحه. بالرّغم من إن كل الأطراف تُقِر بإن النصوص “حمّالة أوجه”، إلّا إن كُل طَرَف بيُصِر على وجود قراءه واحده صحيحه والباقي يشوبه الخطأ.

طَب بيحلّو قِصّة النصّ حمّال الأوجُه إزاي؟ خليني أشرحلك المنظومه بشكل أكثر تفصيلاً. هاجيبلك إقتباسين يشرحولك تركيب المنظومه التقليديّه اللي بينتمي ليها كُل المجموعات سابقة الذِّكر، والكلام هنا مش من باب النَّقد ولكن من باب الشَّرح، لعلّ وعسى نفهم الجدل الدّائر بشكل أوضح.

المثال الأوّل من من كتابات أثناسيوس، الرساله المُرقَّمه برقم 60 لأديلفوس ضِد آريوس، بيقول أثناسيوس
“إيمانُنا سليم ويبدأ من تعليم الرسُل وتقليد الآباء، ويتأكَّد بكلا العهدين الجديد والقديم”
(ECF 3.4.1.21.15.0).

من هنا تقدَر تشوف إن بالنِّسبه لآباء الكنيسه النصّ لا يُقرأ ولا يُفسَّر في الفراغ، النصّ بيسبقه فِهم مُعيَّن مُستقى من مصدَر أسبق على النصّ وهو “التّقليد”، والمصدَر الأسبَق ده هو ال frame اللي جوا بيتفسَّر النصّ، عشان كده خلافات آباء الكنيسه مع المُخالفين ليهم مكانتش دايماً خِلافات مع ناس عندها نصّ تاني، ولكن مع ناس عندها “تقليد تاني”.

نَفس الفكره دي هانشوفها في المثال التّاني، وهانلاقيه في كتاب الفقيه والمُتفقِّه للخطيب البغدادي بينقل فيه خَبَر رواه الإمام الأوزاعي:

“خاصم نفر من أهل الأهواء علي بن أبي طالب، فقال له ابن عباس: يا أبا الحسن: إن ‌القرآن ‌ذلول ‌حمول ‌ذو ‌وجوه، تقول ويقولون، خاصمهم بالسنة، فإنهم لا يستطيعون أن يكذبوا على السُّنة.” (١/ ٥٦٠)

أينعم في ناس ليها نقوض على الخَبَر ده، زي الشيخ يوسف القرضاوي مثلاً، لكن القَول مشهور وإستخدمه مؤلفين كِبار للتّشديد على فكرة أهمية السُّنَّه في ضَبط تفسير القرآن.

وبالتّالي المنظومتين عندهم تركيبه أكثر تعقيداً من كونها جماعات نَصِّيَّه بتقرا نصّ وتطلَّع منه عقائد وخلاص. إحنا هنا قدام دايره تفسيريّه، فيها منظومتين أشمل من النصّ مش من حيث الأهميّه ولكن من حيث دورهم في إحكام تفسير النصّ.

الرحابَه اللي في الأطروحه دي واللي هي البِنيه الأساسيّه لكل الأطراف المُتنازعه هي اللي بتخلَق التنوُّع. النّصوص كبيره جداً، وكل مجموعه بتقدَر تلاقي مواطن لإستدلالها، وعلى الأرجح النِّقاشات دي مش هاتتحسِم بإن كل واحد يرُص أدلَّه لأن مساحة التُراث سواء المسيحي أو الإسلامي واسعه بشكل مُرعب، وكمان مفيش وسيله تنهي البحث بشكل كمِّي، يعني الأطراف كلّها مش بتحسِب صِحّة القول بعدد مرّات وروده، ولكن حتّى لو قَول إنتشر أو إشتهر (بالتّعبير الإسلامي) ف ده لا يستلزِم صِحّته (وبالمُناسبه ده نقد الشيخ يوسف القرضاوي للخَبَر اللي نقله الإمام الأوزاعي واللي أورده الخطيب البغدادي في الكتاب سابِق الذِّكر).

خُلاصة القَول، بغَض النَّظر عن كل طرَف بيقول إيه من الناحيه اللاهوتيّه، الخِلاف مش مُجرَّد فلان صحّ وفلان غلط. الخِلاف هو إن الكُل بينقِّي الورده اللي تعجبه من بُستان الأغلبيّه مش شايفه أوله وآخره فين. الحَل هنا هو دراسة الموضوع بشكل منهجي، مش بشكل قَبَلي ولا بشكل عقيدي قبل ما يكون أدبي أكاديمي. المُناظرات وشُغل العافيه اللي بيستهدف لإستقطاب النّاس مش هاينتج أيّ معرفه حقيقيّه. الحَل هو إن الدّين يتِم دراسته دراسه أكاديميّه من مُتخصِّصين في العلوم الإنسانيّه، وأقصد بالمُتخصصين النّاس اللي بتدرس الأدب والتّاريخ واللغه على مدى إتّساعهم، مش فقط النصّ الدّيني بخصوصيِّته، ولكن الناس اللي تقدَر تدرس الأدب بمنهجيّته وعِلم الإجتماع بمنهجيِّته والتّاريخ بمنهجيِّته بما فيهم من تقاطعات مع الدّين. لسه مشوار مصر طويل مع الإرتقاء بفِكر النّاس، وبداية ده هي فِهم ال status quo بعيداً عن الشَّيطنه وإحتكار الحَق المُطلق ومُلاحقات القضاء.

(2) المرأة في تكوين 1

في الفصل ده هاوريك مثال لطيف ويمكن جديد. خلينا نرجَع شويتين لورا لقصّة الخَلق، وقبل ما نتكلِّم عن المرأه في قصّة الخَلق خليني أقولك إن دي لوحدها عليها معركه طاحنه في الأوساط المسيحيّه، وفي قراءات كتير ليها بتختلف ما بين قراءه حرفيّه وقراءه رمزيّه وقراءه أسطوريّه (ميثولوجيّه) وقراءات أدبيّه لا حَصر لها، وهنا هاكلمك عن مدخَل جديد وهو المَدخل اللساني، وتحديداً تطبيق أدوات تحليل الخِطاب لتحليل نُوع مُعيَّن من الإستعارات إسمه Conceptual Metaphors.

بإختصار شديد، ال Conceptual Metaphors دي هي الإستعارات اللي بتشكِّل وعيِنا وبتساعدنا نفكَّر في ال concepts بإعتبارها ظواهِر ماديّه. يعني مثلأً لو حصرنا تعبيرات اللغات في الكلام عن الزّمن هانلاقيها هي هي نفس التعبيرات اللي بنستخدمها مع الفلوس، ف مثلاً انت ممكن “تكسب” وقت أو “تخسر” وقت أو “تستثمر” وقت أو “تضيَّع” وقت، وكلها مُقابلات لمكسب وخسارة وإستثمار وتضييع الفلوس. وبنفس المنطق بنتكلم عن الفلوس بإعتبارها سوائل، ف “بنجمِّد” رأس المال، وأوقات بنحتاج “سيوله”، والعُمله بيحصلّها “تعويم”، وحركة المال بتتوصِف بكونها “تدفُّق”. نفس الكلام عن لغة العلاقات اللي بتتطابق مع لُغة السَّفر، تعبيرات زي “التلاقي” و”الإفتراق” و”الإنفصال” هي تعبيرات بتوصف رحله على طريق، والناس لما بتتطلّق بتقول “كل واحد راح لحاله”، أو “طريقنا مش واحد”. طبعاً ممكن ييجي في دماغك سؤال، مش يمكن الحاجات دي في العربي بس؟ لأ! الحاجات دي cross-linguistic، وحتى لو فيها مفردات إختلفت من لغه للتانيه لكن المبدأ نفسه أصيل في الوعي ومُتجلِّي في كل اللغات.

الإستعارات دي -والكلام هنا عن ال Conceptual Metaphors تحديداً- بتتكتب في صورة جُمَل قصيره بحروف كبيره، ف مثلاً في إستعارة تشبيه الوقت بالفلوس بتتكتب TIME IS MONEY. أشهر إتنين نظَّرو للنوع ده من الإستعارات هم George Lakoff و Mark Johnson في كذا كتاب أهمهم Metaphors We Live By، وده كتبوه مع بعض.

تعالى ناخد الفكره دي ونروح بيها على سِفر التّكوين … أي واحد قرا مُقدِّمه للإصحاحات تكوين من 1-3 هايعرف إن دول قصتين مش قصّه واحده، وهاتلاقي شرح طويل ومُستفيض في حاجه إسمها نظرية المصادِر بتحكيلك النصّ وصل لصورته النهائيّه إزاي. أنا مش هاشرحلك كل ده، بس هاقولك خليك فاكِر الموضوع ده عشان هانرجعله وسط الكلام.

في تكوين 1 عندنا قصّه لخلق الكون بيحتَل فيها خَلق الإنسان الآيات من 26 إلى 31. في الجُزء ده النصّ بيقول إن الله خَلق “الأرضي” أو a groundling في الإنجليزي، الكِلمه دي مُحاوله لترجمة كلمة “آدم”. هاتقولي طب ونترجم الإسم ليه؟ هاقولك لأنه هنا مش إسم لأنه مسبوق بآداة تعريف، يعني مكتوب האדם، وبما إن الأسماء مش بتُعرَّف ف المُشار إليه هنا مش إسم عَلَم، ولكن وصف الكائن اللي إتخلق بإنه “أرضي”. لو روحت لتفسير سِفر التكوين اللي أصدره Jewish Publication Society سنة 1989 هاتلاقي ناحوم سارنا بيقول عن האדם إنه لفظ عام بيُشير للإنسانيّه، وبيُشير للرجُل والمرأه (زي ما في 1: 27)، وبيُشير للإنسانيّه ككُل زي ما بيقول في 1: 26 “وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ”. الإنسان – يتسلطون …

خلينا نقول مُلاحظات سريعه على الفَصل ده وفي الجُزء اللي جي نتكلِّم عن تكوين 2 و 3 وفي الجُزء اللي بعدها نقارن اللي هانوصله مع بعض عشان الفِكره تكون أوضح.

مع ال Conceptual Metaphors عندنا حاجه إسمها Image Schemata، وهي الصُوَر الذهنيه اللي بترسم تصوُّرنا عن الأشياء، لما نحلِّل تكوين 1 هانلاقي إن ال Image Schemata اللي مُسيطره على كُل الأحداث اللي مُرتبطه بالإنسان هم 2، الأولى إسمها AGENT-RECEPIENT والتانيه إسمها CENTER-PERIPHERY، الأولى بتعبّر عن فاعِل ومُستقبل للفِعل، والتاني بتعبَّر عن صوره فيها شيء في المركّز وشيء أقل محوريّه على الأطراف. خليني أديك مثال:

في تكوين 1: 26 بيقول “وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا”، هنا الفاعِل هو الله ومُستقبل الفِعل هو الإنسان. في باقي النصّ “فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” بيتحوِّل الإنسان للفاعِل ومُستقبل الفِعل باقي الخليقه. هنا في تراتُبيّه أو هيراركيّه: الإله – الإنسان – باقي الخليقه.

وفي تكوين 1: 28 في صورة الإنسان الموضوع في وسط الخليقه عشان يتسلَّط عليها، هو في المركز، هو محوَر الخليقه، هو ال CENTER، والخليقه بالمُقارنه بيه على الهامِش PERIPHERY. الصّوره دي هاتبقا أوضَح لما نقارنها بتكوين 2 و 3.

لحد هِنا اللي إحنا شايفينه إن الإنسان أو الأرضي هي كِلمه تشمَل الذكَر والأنثى، والإتنين بيتلقّو السِّياده من الإله للتسلُّط على الخليقه، محدش منهم إتخلق الأوِّل، محدِّش منهم مُختصّ بالتواصُل مع الله لوحده. تكوين 1 هو نصّ بيشوف فيه الدّارسين مُساواه كامله ما بين الرجُل والمرأه، المُساواه دي إتحققت بإن الإنسان إتقدِّمو في النصّ كواحد، الإتنين إسمهم الأرضي .. الإتنين إسمهم האדם.

هو الدّين بيقول إيه؟: (3) المرأة في تكوين 2 و 3

إتكلمنا عن تحليل الإستعارات وتحديداً ال Conceptual Metaphors في تكوين 1، وإستنتجنا منها إن في مُساواه كامله بين الرجُل والمرأه في تكوين 1. دلوقتي هانشوف تكوين 2 و 3، اللي بيعتبرو قصّه تانيه للخَلق، بس المدخَل بتاعنا مش مُعتمد على نظرية المصادِر بقدر ما هو مُعتمد على تحليل الخِطاب.

القصّه التانيه بتبدأ من تكوين 2: 4 وتحديداً من النص التاني من الآيه 4. في القصّه دي عندنا تَفصيل أكتر لخَلق الإنسان وتقدَر تقول دي القصّه اللي إستحوذت على الوعي الجَمعي بعد كده لأسباب كتير ممكن نتكلِّم عنها بتفصيل أكتر في الجُزء اللي جي.

بإختصار، القصه دي بتبدأ بسَرد مُختصر جداً لخلق الطبيعه وبعد كده بتحكيلنا عن خَلق آدم في 2: 7، بس بنشوف في القصّه إن آدم هنا ذكر (زي ما بيبان في باقي القصّه، ووضع الإله آدم في “وسط” الجنّه (جنّة عدن) وإداله الوصيّه بإنه مياكلش من شجرة معرفة الخِير والشَرّ. وفي الآيه 18 بيخلَق الله زوجه لآدم لأنه “لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ”. بعد كده بيقولنا الإصحاح 2 إن الله أحضر الخليقه لآدم عشان يسميها، وبعد كده خَلقله حواء من واحد من أضلاعه، وفي 2: 23 آدم بيسمّي زوجته إمرأه لأنها “لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ”.

خلينا نحلِّل الجُزء ده وبعد كده نكمِّل إصحاح 3.

آدم هنا وُضِع في وَسَط الجنَّه، ودي نفس ال Image Schema اللي إسمها CENTER-PERIPHERY، تقدر منها تشوف إن آدم في مكانه أكثر محوريّه من الخليقه، هو اللي في المركّز، لكن هنا المركزيّه دي ليها جندر، آدم هنا رجُل، الأنثي مكانتش موجوده، الرجُل هو اللي نال الوصيّه من الإله، الرجُل هو اللي سمّى الخليفه، الرجُل هو اللي سمّى زوجته، وإسمها مُشتَق من إسمه وهي ضِلع من ضلوعه.

لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ – فيها Image Schema لل CENTER، آدم هو محوَر خَلق المرأه، هي اللي إتخلقت عشانه، هو الغايه وهي اللي خُلقَت من أجله.

فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ – في هنا حاجتين، بردو آدم في ال CENTER، الإله يصنَع “له”، وفي Image Schema تانيه إسمها MATCHING-MATCHED، إن في model مُعيَّن بيُقاس عليه شيء آخَر بإعتباره مُشابه أو مُطابِق ليه. هنا آدم هو اللي بيتقاس عليه ال MATCHED اللي هو المرأه. ممكن حد يقرا الجُزء ده بإعتباره فيه شيء من المُساواه، مفيش مُشكله، هانشوف في الآخِر إن النصّ بيقول حاجات كتير وأوقات كمان بتوصَّل رسايل عكس بعضها.

موضوع إن المرأه تُخلق من الرجُل فيه كلام كتير أوي. أولاً فيه Image Schema إسمها CONTAINER-CONTAINED، الصوره دي بتعبَّر عن شيء بيحتوي شيء تاني. هنا آدم بيحتوي المرأه، في ما بينهم علاقة PART-WHOLE، آدم كُل والمرأه جُزء، وهو الأسبَق زمنيّاً عنها وهو حامل الوصيّه. لحد النقطه دي هي لأجله ونظيره له ومنه.

بعد كده الإله بيُحضر المرأه لآدم، هنا في كذا صوره، في صورة إنه في ال CENTER وهي اللي بتجيله، هو الثابت وهي المُتحرِّك، هي اللي بتتحرَّك تجاهه. ونفس الصوره دي بتتعكس بعد كده في “يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا”، كأن صورة الإنقسام بترجَع تاني للوِحده. ودي بردو من الإشارات اللي فيها مُساواه.

لحد دلوقتي أغلب الصُّوَر اللي في تكوين 2 بتميِّز الرجُل بكونه الأسبق، الغايه اللي كل شيء بيحصل عشانها، المُتسيِّد على الخليقه قبل خَلق المرأه، هو اللي بيمارس سُلطته على الخليقه وعلى المرأه بإنه يديهم أسمائهم، وسمى المرأه بإسمه “لأنها من إمرء أخذت”.

في تكوين 3، ودي قصّة الخطيّه والسقوط بنشوف آدم بيختفي تماماً وبتتصدَّر الصّوره المرأه بعد ما كان آدم مُتصدِّر الصوره في وجود شخصيّة الإله. بيحصَل حِوار ما بين المرأه والحيّه وفي مَعرض الكلام بتبالغ المرأه في فهم الوصيّه ف بتقول للحيّه “مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا. في حين إن الوصيّه اللي قالها الإله لآدم كانت إنه مياكلش من الشجره، موضوع لا تمسّاها ده جي من عند المرأه اللي بتتقدِّم بإعتبارها عُرضه أكتر للخديعه وأجهل بالوصيّه، وخلّي بالك تاني إن اللي تسلَّم الوصيَّه هو آدم، المرأه لم تتلقّى الوصيّه من الإله، وهنا كمان آدم هو المسئول عن تنفيذ الوصيّه هو الوصي على المرأه.

بمُجرَّد ما بتتحايل الحيّه على المرأه بتشوف المرأه الشجره “جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ” وهنا بردو في فِكرة الضَّعف أمام الشهوه، وكل خطأ آدم إنه أكل، ولكنّه أكل لأنها “أعطته ليأكل”. خطيّة آدم إنه إعتمد على حُكم إمرأته! وده بيبان في كلام الإله لآدم لما قاله في 3: 17-18 “لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ.” وبالتّالي عقوبة آدم لأنه “سمع لإمرأته”. وده هو بردو كان دِفاع آدم عن نفسه في 3: 12 “الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ.” إنه مكسرش الوصيّه ولكن الخطيّه جت منها هي.

أما عقاب المرأه ف كذا حاجه، أولها إن الرجُل يسود عليها، هنا في فكرة ال CONTAINER، إن الرجُل هو اللي لازم يسيطر على المرأه لئلّا تُسقطه، دي Conceptual Metaphor بتوصِف الشَر أو العُنف أو الإنحدار الأخلاقي بإنه وباء بينتشر، ولازم يتِم حَصره والسيطره عليه. الضَّامِن هنا هو الرجُل والخَطَر والميل للخطأ هو في المرأه. وكمان الجُمله اللي بتقول “وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ” فيها صوره إسمها FORCE: ATTRACTION، بحيث يكون في شئ في المركَز بيجذب شيء على الأطراف، المرأه بتتحرَّك أو بتنجذِب نحو الرجُل، ودي أساسها metaphor بتشبِّه المشاعر بالحركه. لو خدت بالك كلمة emotion (شعور) مبنيه على motion (حركه) بالأساس، وأصلها اللاتيني emovere بمعنى يحرَّك شيء أو ينقله، عشان كده اللغه بتعبّر عن الشعور بالحركه، ف مثلاً الحاجه المؤثره بيتقال عليها بالإنجليزي moving. آدم هنا هو أصل المرأه وهي في حركه مُستمره للرجوع ليه والحركه ناحيته.

بعد الويلات والعقوبات بنلاقي إن آدم سمّى إمرأته تاني بعد السقوط. المرّه دي سمّاها بدورها البيولوجي، حوّاء “لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ”. في كلام كتير أوي يتقال هنا، بداية من فكرة سيطرته عليها تاني بتسميتها، مروراً بفكرة إن بتسميتها بدورها البيولوجي “الإنجاب” حصرها في الأمومه، وكأن المرأه بلا دور خارج دور الزوجه الأم.

زي مانت شايف، كل الصّور والإستعارات اللي عدينا عليها بشكل سريع دي مكمله معانا لحد النهارده، هي ال core اللي مبني عليه كُل صُوَر التراتُبيّه الثانويّه اللي فيها المرأه في أغلب فترات التّاريخ، والصُوَر دي أصيله في كل الأديان، ولكن مع كونها أصيله في كل الأديان هاتلاقي صُوَر تانيه عكسها. هاتلاقي هيراركيات بتعتبر المرأه أدنى، وهاتلاقي القليل من المُساواه.

(4) تنوُّع الخِطابات في النصّ الدّيني

زي ما شوفنا في الجُزئين 2 و 3، نَص زي سِفر التكوين مثلاً مش بالضّروره بيقول حاجه واحده عن المرأه، النصّ الدّيني بيقول حاجات كتير، مش بيقول “حاجه واحده” و “قراءه واحده”. أي نَصّ هو بالضّروره حمّال أوجُه، بيقول حاجات كتير وحاجات متنوِّعه وأوقات كمان مُتناقضه. وبالتّالي لما تيجي تتعامل معاه لازم تكون مُدرك منهجيتك المعرفيّه عشان متحرَّمش على غيرك اللي إنت نفسك بتعمله، وعشان متقعش في مُغالطات وتناقضات إنت مُتخيِّل إن منهجيِّتك مُنزهه عنها.

في حال المرأه عندنا خطابين (إن مكانوش نصّين)، الخِطابين دول واحد منهم مُجمَل وفيه مُساواه، والتّاني مُفصَّل وفيه هيراركيّه يحتَل فيها الرّجُل مكانه أعلى وبيتعامل مع الله بشكل مُباشر في حين المرأه تقَع في حيِّز الرعيّه اللي بيرعاها الرّجُل وبيتسلط عليها وبيسمّيها مرتين وبيحصرها في دورها البيولوجي وهو الإنجاب.

اللي حصَل تاريخيّاً هو إن الناس مبتشوفش غير تكوين 2 و 3، ولو فتحت أيّ تفسير تقليدي هاتلاقي التوجُّه هو دمج القصّتين في قِصّه واحده بحيث تكون الأولى المُجمله مُجرَّد مُقدِّمه للتانيه اللي فيها هيراركيّه. خلي بالك الحركه دي حركة تأويل، يعني طريقتك في التعاطي مع وجود قصّتين هي اللي بتحكم إنت إزاي هاتستغل واحده منهم على حساب التّانيه. اللعب على فكرة التّفصيل والإجمال هو اللي فتح الباب لسيطرة القصّه التانيه اللي فيها الهيراركيّه على الأولى اللي فيها مُساواه. وده يوريك إن موضوع القراءه الأدبيّه ودورها والنتايج المُترتبه عليها مش رفاهيه أو حاجه ad hoc على القراءه اللاهوتيّه، أنا أكاد أجزم إن كل ما يُمكن قَوله تحت مظلّة اللاهوت هو بالأحرى “أدب” و “لغه”.

التّاريخ مال ناحية السيطره الذكوريّه، والتّاريخ هو اللي أنتجلك قراءه مُنحازه للرجُل، والتّاريخ هو اللي بيتغيَّر دلوقتي وبيميل للمُساواه، وإن كان تعرف المُساواه نفسه هو مساحة جدَل وتأويل تانيه. ولكن من المُهم إنك تشوف تأثير الزّمن وإزاي الزّمن بيقود تكوين النصّ وقراءته وتأويله.

النصّ الدّيني بيقول حاجات كتير، بيقول كل حاجه، وأوقات مبيقولش أي حاجه. مبيقولش حاجه يعني مبيديش حلول حاسمه نهائيّه لبعض القضايا. اللي بيعمَل هنا هو القياس البشري، قدرة البشر على إشتقاق وإستنباط أحكام من النصّ، ودي آليه يُدرك وجودها أي حد فتح كتاب لاهوت أو كتاب في أصول الفقه أو قرا شويه في حوارات الرابيين حوالين النّاموس. وبالتّالي مش كل شيء يُمكن طرحه على النصّ الدّيني، في حاجات النصّ الديني صامت عنها، وفي حاجات مالهاش صدى فيه ومتعرفش تقيسها، النصّ الدّيني مثلاً مش هايقولك رأي في ال BitCoin، مش هايقولك رأي في أخلاق إستخدام ال AI، ممكن تستقي منه بعض المبادئ، لكن مش هايجاوبلك كل أسئلتك، ومش مطلوب منه ده.

بما إن السياق التّاريخي هو الحاكم الأوّل، وبما إن في أفهام مُعيّنه للنصّ الدّيني بتتغير بضغط المُجتمع والتّاريخ، ف دايماً في فرصه لنشوء قراءات تحقق المُساواه وتحقق العَدل، اللي يتبقّى فقط هو الرغبه في تحقيق ده. العائق الحقيقي واللي من المهم النّاس تشوفه مش هو النصوص، لأن الواقِع هو إن النّاس طول الوقت بتنتقي ما يُناسبها من النّصوص، من كل بستان ورده. المُشكله الحقيقيّه هي في النّاس نفسهم، النّاس هي اللي مش عايزه بعض القراءات تظهَر، حتى لو كان ليها أصداء في نصوصهم وتراثهم.

وده يوصلنا للنقطه الأخيره، الإصلاح مش هاييجي بالجَدَل العقيم حوالين القراءات القديمه. كل واحد هايفضل يستقي من النّصوص اللي يثبِّت وجوده ووجود المؤسسه اللي بيتبعها. الإصلاح محتاج ييجي من بِنية المُجتمع وبالتّعليم. لما يحصل ده النصّ الدّيني هايتَّسِع وهايقبل القراءات الجديده اللي هايطرحها المُجتمع. ده اللي حصل زمان واللي بيحصل دلوقتي واللي هايفضل يحصل. اللاهوت مبيتطوَّرش قبل المُجتمعات، المُجتمعات هي اللي بتجبِر اللاهوت يتطوَّر ويتَّسِع ويقبل قراءات جديده.

الإصلاح لازم ييجي من فوق .. مش هايجي بالمُكايده، ومش هاييجي بالحَشد الشعبي والمنظره الفارغه وعبط المُناظرات. الإصلاح (مش بمفهومه البروتستانتي لأن القراءه البروتستانتيّه خطوتين لورا أساساً) بييجي بإصلاح الوعي الجَمعي وبالتّعليم وبإتساع أفق الشعوب، بالعلوم والعلوم الإنسانيّه، وطبعاً طبعاً بتحسين أوضاعهم الإقتصاديّه. أظبط الإقتصاد وحال المُجتمع واللاهوت هايتبَع إتساع الأفق والتَّنوير.

العدو الأكبر هو الفَقر، والفَقر أبو التطرٌّف.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *