|

الأيديولوجيا: انت عيان بس متعرفش

تحويل العالم لمساحة صراع فكري يتصوَّر فيها كل طرف لحامل راية الصواب الأوحد والحق المُطلق هاييجي على البشريه كلها بالخساره. المُدقِّق هايلاقي إن كل الناس بتستخدم حُجج مُتشابهه وأوقات مُتطابقه، وهايلاقي إن اللي هو بيمرَّرُه لنفسه بينتقده عن غيره. المعيار الوحيد هو “أنا صح والباقي غلط”، حاجه كده أشبه بعباره كنت قريتها في دراسه عن أنثروبولوجيا السحر كانت بتقول ما معناه “ممارساتي التراثية حَقّ ومُمارساتك التراثية سِحر”. في فئه بتنتفع من الحَشد، بتنتفع مادياً وبتنتفع من الإنتشار، اللي هو عُملة العصر الحديث. دلوقتي كل ما توصَل لناس أكتر هاتكسب فلوس أكتر. العالم تخطَّى سؤال القيمه الداخليه للأشياء وإتحرَّك ناحية القيمه بناءاً على عداد ال views. إيه اللي ممكن يجيبلك views؟ ببساطه شديده أكتر حاجتين هم الغَرَابه والأيديولوجيا. الغرابه هي إنك تستدرج الناس تجاه غير المعتاد، يعني مثلاً برامج رامز جلال ليه بتعمل views؟ لأنك عايز تشوف مُنتج مش متاح ليك تشوفه برا البرنامج، وهو شخصية المُمثِّل الحقيقيه، وبالتالي بضاعة البرنامج الأساسيه هي إنه يبيعلك كون ردود الفعل دي حقيقيَّه، تختلف تماماً عن الهويات المُزيَّفه اللي بتشوفها في الأفلام والمُسلسلات. هنا مفيش قيمه داخليه للظاهره، مفيش حد بيستفيد شئ حقيقي، مفيش هويه حقيقيه بتتقدِّم ﻷنها لو إتقدمت مش هاتبقا مُثيره للإهتمام أساساً.
_____________________
الشئ التاني اللي تقدر تبيعه وتكسب بيه كويس أوي هو الأيديولوجيا. بيع حاجه تِدِّي الناس المزيد من حُب الذات وحُب الجماعه. وعشان تحقق ده لازم تبيِّن ليه الجماعه اللي هاتكلمها أسمى وأعلى من الجماعات الأخرى. لازم تستثمر في الحَط من شأن الآخَر وتضخيم الذات الجمعي للي بيسمعوك. تكلِّمهم بإعتبارهم مُختارين، زي مثلاً الإعلان اللي ممكن تشوفه اليومين دول على يوتيوب بخصوص جهاز مزعوم بينتج كهربا بمعزل عن شبكات الكهربا الحكوميه. لما تسمع الإعلان ده لآخره هاتلاقيه بيقولك إنك مدعو للخروج من سيطرة الرأسماليه من خلال إنك تشتري الجهاز ده ومتبقاش تحت سيطرة أي مؤسسه بتوفرلك الطاقه، وبعد كده بيقولك إنك لازم تتواصل مع أصحاب الإعلان بسرعه لإن في مؤامره كبيره بتحاول تمنع إنتشار الإعلان وبتسعى لحذفه. طبعاً تحويلك للشخص المُختار المؤتمن على سِر كل اللي حوالين عايزين ياخدوه منك وبيتأمرو عليك عشان يفسدوك هي السياسه الأكثر فاعليه في إقناع اللي معندهومش بنيه نفسه وفكريه تخليهم يقدرو يكونو أصحاب رأي. اللي بيكسب منك مش من مصلحته تكون صاحب رأي أصلاً. وبالتالي هايستخدم معاه مجموعه من وسائل الإقناع عشان يثبِّت أطروحته في فِكرك وضميرك. مرات هايكلمك من منطلق السلطه، فلان قال أو النص الفلان قال، وهايحكمك أكتر بآليه معينه لتفسير كلام فلان وتفسير النص الفلاني وثِق تماماً إن مفيش حد مبيعملش كده.
_____________________
أوقات تانيه هايحاول يجيبهالك من الجانِب الأخلاقي أو من جانِب الضمير. عشان تسمع الكلام وتكون جُزء من القطيع لازم تتملَّك من عُقدة ذنب ما. لازم طول الوقت تحِس إنك مُقصِّر، إنك ممكن تعمل أحسن من كده، وإنك لو بدأت تنفتح على الآخر وتتعايش معاه تبقا مُفرِّط في الكِنز الموكَل إليك. وأوقات تانيه إجبارك على الإصطفاف وسط المجموعه أو القطيع هاييجي بالسيطره الإجتماعيه للقطيع. الجموع غوغائيه بالضَّروره، دراسات علم النفس بتبين إن الأفراد أكثر قدره على إرتكاب الفظائع اﻷخلاقيه لما بيكونو وسط جموع. وده معناه إن اللي كل فرد لوحده ميقدرش يعمله بسبب ضميره أو منطقيه من الوارد جداً إنه يعمله لو إتحط وسط عدد كبير بيرتكب نفس الفِعل. قد يكون ده بسبب إدراكنا للجُرم بإعتباره شئ مادِّي قابل للتقسيم، بحيث كل ما زاد العدد قل نصيب الفرد من اللوم والخطأ، وبالتّالي كل ما زاد عدد مرتكبي الخطأ كل ما كان الموضوع أسهل للفرد إنه يبرر سلوكه لضميره وللآخرين.
_____________________
الأيديولوجيا شديدة التعقيد. يعني قبل ما تروح تناكف في الناس بالأيديولوجيا بتاعتك وتمارس عليهم سُلطاتك الأخلاقيه والفِكره، أقل ما يتوجب عليك هو فِهم ألية تكوين آيديولوجيتك. دي حاجه هايحاول اللي بيلعبو في دماغك يقنعوك إنها بتحصل بالإنغماس في الأيديولوجيا نفسها، ف هايقولك مثلاً إقرا لفلان أو إسأل فلان اللي هم بالأساس من ناشري الأيديولوجيا. في حين إن كل اللي بتعمله هنا إنك بتسعى لمزيد من البرمجه. الحل ببساطه إنك تدرس العلوم الإنسانيه وآلياتها، حتى وإن كان في داخلها بعض الإنحياز، ولكن الأيديولوجيا لا تُدرس من الداخل، ﻷن الأيديولوجيا مش مجرد مجموعة قناعات، ولكنها أساليب تفكير وتحليل بالأساس. يعني هايديك مجموعة أدوات هاتوصلك لنتائج معينه، فين حين إن الأيديولوجيا مش هي النتايج، ولا يُمكن إختزالها في آخر خطوات البحث، الأيديولوجيا هي آلية معالجتك للبيانات اللي كل جماعه هاتدَّعي إن عندها منها نسخه خاصَّه بيها تختلف عن أيديولوجيا الآخَر، وبالتالي عشان تفهَم الأيديولوجيا لازم تشوفها من برا، تشوفها بكل آلياتها وعوارها، وده مش هايوفرهولك غير آليات قادره على نقد نفسها وتقدر تطبقها على أي أيديولوجيا.
_____________________
لما تقدَر تبص للظواهر دي من بعيد، ويكون عندك القدره على نقد أفكارك -إلى درجة ما- ساعتها هاتشوف إن الكل بيتحرك بنفس البناء. الكل عنده نفس النحو الفِكري، حاجه كده أشبه ب Universal Grammar بتاع تشومسكي بس في الأفكار. كل الأنماط الفِكريه إستعماريه، أشبه بخطط الشطرنج، هاتمررلك مُغالطات ومعطيات فاسده عشان تسمع وتعمل، لكن مفيش واحده منها هاتديك منهجيه للتحقُّق من صحة إدعائتها. كل الأيديولوجيا strangled by definition بتعبير داريدا، لو مشيت وراها هاتلاقيها تنطوي على قدر لا نهائي من التناقض. ودور الأيديولوجيا والقائمين عليها إنهم يبرمجوك عشان متشوفش التناقض وتمرَّرُه. الحل الوحيد عشان “تشوف” هو إنك تُدرك إنك بتشوف بالأيديولوجيا، وبتتنفسها، وبتشربها، وبتتكلم بيها. مش هاتقدر تتحقَّق منها وتراجعها بإنك تستغرق فيها وتتعاطاها بشكل أكبر. لما ترجع عشر خطوات لورا، وتعيد النظر في أبسط المُقدِّمات هاتكتشف إنك مُجرَّد عائِل لطُفيلي، عائِل بيُستخدم لمكاسِب ماديَّه على مُستوى، وبيُستخدم كوسيله لإنتشار الأفكار على مُستوى تاني. تعليبك وتحويلك لزومبي، كل الهدف منه يروح يعُض فرد تاني من المحيطين بيه عشان كله يبقا نفس الشكل ومضروب بنفس الوباء.

Similar Posts