أقوال المؤرخين في صلب المسيح

 (1) يعني إيه تاريخ؟ وليه نحتاج مَبحث التّاريخ وعندنا النبوَّات؟

“صَلب يسوع على أيدي الرُّومان هو أحد أكثر الحَقائق ثبوتاً عن حياته … إن حاوَل أحد الدَّارسِينَ أن يشرح حياة يسوع بطريقة لا تفسِّر موته، يجب إذاً أن يكون هذا هو المُؤشِّر الأوَّل على أنه يوجَد شَيءٌ مَا خَاطيء.”

Bart D. Ehrman

في مقال على موقعهِ بعنوان Why Was Jesus Crucified: Bart Ehrman Crucifixion Thoughts بتاريخ 18 إبريل 2022

لحد القرن التَّاني الميلادي مكانش السؤال عن مَصير يسوع (آه هاستخدم الإسم، مش اللقب “المسيح” لسبب هاتقراه بعد شويه) سؤال مطروح للجَدَل. طوال القرن الأول كان المعروف بين المسيحيين إن مؤسس جماعتهم مات مصلوب بأيدي الرُّومان وبسبب شَكوى اليهود عليه. دي كانت حقيقه مُسلَّم بيها ومش محَلّ جَدَل. بنهاية القَرن الأوَّل ومع التوسُّع في مناقشة هويَّة يسوع ظهرت جماعات بتصوَّر يسوع كإله ذو جَسَد أثيري، جَسَد مالوش ضل، مالوش لحم ودَم، جَسَد مبيسيبش آثار على الرَّمل وبالتّالي مكانش بيتألَّم بالفعل. وبدأو يشرحو أحداث حياة يسوع في ضوء قرائتهم اللاهوتيَّه دي. إمتداداً للفِكر الدوسيتي الغنوسي ده، ظهَر واحد إسمه بازيليدس في القرن التَّاني، وكانت أطروحة بازيليدس إن في إلهين، في إله العالم وده الإله بتاع العهد القديم اللي هَدفه الأساسي يبعد النَّاس عن المعرفه الحقيقيَّه، في مُقابِل “الآب” إله العهد الجديد اللي بيحاول ينقذ البَشَر. قراءة بازيليدس اللاهوتيَّه فسَّرت نهاية حياة يسوع بإن الآب قدِر يخدِع إله العالم عن طريق إنه يخدع اليهود والرومان، ف وقت ما كان المسيح رايح ناحية الصَّليب إتغيَّر شَكل سمعان القيرواني وبقا هو نفسه شكل المسيح، وإتصلب سمعان القيرواني فعلاً بدل يسوع، وفي الوقت نفسه كان يسوع واقف وشايف اللي بيحصل وبيضحك على الخدعه اللي نفِّذها في اليهود والرومان وعلى رأسهم إله العالم وإله العهد القديم. وهانرجَع تاني لبازيليدس وقال إيه بالظبط في الأجزاء اللي جايه.

في قراءات تانيه متأخره زمنياً لنهاية حياة المسيح زي إنّه إتصلب بس نزِل حيّ وراح عاش في أماكن تانيه بعيده، وفي ناس وصلِت بالقصَّه إنه مات في الهند وقبره لسه هناك.

بعيداً عن الكلام ده كلّه، المؤرِّخين يقدرو يقولو إيه عن نهاية حياة يسوع؟

وخلي بالك أنا هنا بتكِّلم على اللي التّاريخ يقدر يدرسه، مش بتكلِّم على اللاهوت، ومش بتكّلِّم على أي فرضيَّه بتفترض تكذيب الحواس، زي فرضيَّة بازيليدس كده، إن النَّاس شافت يسوع بيتصلب بس هو مكانش يسوع. الفرضيَّه دي مُستحيل المؤرِّخ يقدر يثبتها، لأن المؤرِّخ بيبحث في شهادات مردَّها إلى الحِس، يعني المؤرِّخ عايز أخبار إنتشرت ونتجت عن رؤية الناس للحدث ومعاصرتهم للحدث وقدرتهم على التحقُّق من الحدث، غير كده مفيش أي قيمه لشهادة شخص عايش زمنياً بعيد عن وقت الحدث وجغرافيَّاً بعيد عن مكان الحدث وكمان مُنقطِع عن الجماعه اللي حَصَل وسطها الحدث. ف مثلاً أنا شهادتي بلا قيمه بالنسبه لمؤرِّخ عايز يأرَّخ حادث 11 سبتمبر مثلاً.

في البوست ده والأجزاء اللي جايه مش هاستخدم لقب المسيح لأنه يحمِل دلاله لاهوتيَّه، والقضيَّه اللي هاقدِّمها هاتكون تاريخيَّه ماديَّه، حدودها هي فقط اللي يقدر المؤرِّخ يدرسه. وهاستخدم أدوات النقد التاريخي والأدبي ومَصادِر مُتخصصه، وبالتّالي هاتلاقي بعض الكلام اللي لا يتَّفِق مع القراءات الكنسيَّه لكنُّه مُنضبط تاريخيَّاً، زي ما قولتلك أنا مش هدفي أي قضيَّه لاهوتيَّه، أنا بس عايز أستخدم الموضوع الشيِّق ده كآداه لعرض منهجيَّة التَّاريخ وإزاي بتتم دراسة الحَدَث التَّاريخي لو كانت وثائقه بتعقيد الوثائق المسيحيَّه. وعشان سهولة المُتابعه، هاتكون السلسه مقسِّمه لمجموعه من الأسئله، بحيث لو وقفت عند سؤال مُعيَّن تقدر ترجَع وتكمل بعد كده بسهوله. لو السلسله طلعت زي مانا عايز ف هاتكون في الآخر مقال ضخم جداً هاسيبه زي ما هو بالعامَّيه وهاينزل على الويبسايت، لكن هاحافظ على المُحتوى بترتيبه ومصادره اللي أنا محضَّرها.

يعني إيه تاريخ والمؤرِّخ عايز يوصَل لإيه؟

إقرا معايا الفقره دي من كتاب John P. Meier بعنوان A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus (المُجلَّد الأوَّل ص.1):

“إفترضِ أن كاثوليكيّاً وبروتستانتيّاً ويهوديّاً ولا أدريّاً –وكان جميعهم مُؤرِّخينَ آُمناء عارفينَ بالحَرَكات الدينيَّة في القرن الأوَّل– وُضِعوا جميعاً في محبسٍ في دواخِلِ جامعة هارفارد، وأُجبروا على نظامٍ غذائيٍّ قاسٍ وَلم يُسمَح لهم بالخروجِ إلى أن يخطّوا وثيقة إجماعٍ حوَل هُويَّة يسوع النَّاصريّ وعَن مسعاهُ في وقتِهِ وزمانِهِ. أحد شروطِ تِلك الوثيقة أن تعتَمِد فقط على مَصادِرِ وإحتجاجاتٍ تاريخيَّة نَقيَّة. ستُعاني الوثيقة غير الدِّينيَّة ─أي تِلكَ الصِّياغة التوافُقيَّة─ النَّاتجة من كُلِّ العِلَلِ التي تشوبُ التصريحاتِ المَجمَعيَّة (أي الجَمَاعيَّة، وليس المقصود بها “المَجامِع الكَنَسيَّة”) التي توصَّل إليها الأعضاء. أحياناً ستُختار بعناية لُغة تفتقِرُ إلى التَّحديد كيما يتم تخطِّي نِقاطَ الخِلافِ، وأحياناً سيُقِرّ [الأعضاء] علانيَّة مَواضِعَ الخلاف التي لم يتوصَّلوا فيها إلى إتِّفاقٍ. سوف لن تعكس هذه الورقة البيضاء [المكتوبة] عن يسوع آراء أيّ فردٍ من أعضاء اللجنة الجائعة بالكامِل. بالطَّبعِ لن تتضمَّن تأكيداتً من تِلك التي يتمسَّك بها الكاثوليكيّ والبرتتستانتي بالإيمان. الشَّرَط الأساسيّ الذي بمُقتضاه يجِب أن تكونَ تِلك الوثيقة الإتّفاقيَّة مفتوحَةَ للتَحَقُّقِ لجميع الأفراد الذين يستخدمون وسائل البحث التّأريخيّ الحديث سيتُنتِج [وثيقة ذات] مَنظورٍ ضَيِّق ورُؤية مُتشظِّية ورُبَّماً أيضَاً تشوُّهات.”

الفقره دي مَدخل كويِّس أوي يفهِّمَك يعني إيه تاريخ. التّاريخ ده هو مُحاولة مجموعه من الباحثين إنهم يدرسو بقايا من الماضي بتُشير لحدث ما، وبيحاولو يتكلِّمو ويتناقشو حوالين البقايا دي وطبيعتها وتفسيرها واللي يقدرو يبنوه عليها عشان يعرفو شيء عن الحدث اللي في الماضي. وبالتَّالي عشان المؤرِّخين دول يعرفو يشتغلو، محتاجين إنهم يتبَّعو منهجيَّه تكون قابله للتَّطبيق عندهم كلّهم، يعني مينفعش كل واحد يدخل بإفتراضات لاهوتيَّه أو آيديولوجيَّه ويكتب بيها نُسخه من التَّاريخ لأن اللي بيختلف معاه لاهوتيَّاً وآيديولوجياً مش هايقدَر يفهمه ولا يشتبك معاه في نِقاش. وبالتَّالي ف المؤرِّخ مسلِّم مُسبقاً بإنه هايسيب الفرضيَّات المُسبقه اللي ميقدرش يثبتها بمنهجيَّات التَّاريخ على باب الجامعه وهو داخل. وبالتَّالي التاريخ في صورته اللي بتخرج من تحت إيد مؤلِّفه ─اللي هو المؤرِّخ─ مش هايديك نفس القراءات اللي تقدر توصلَّها باللاهوت، ولو قيست المُنتج التاريخي بمعايير اللاهوت هاتلاقيه زي ما بيقولك John Meier إنه بيقدم صوره ناقصه ومُشوَّشه، لكن ده اللي تقدَر تحققه أدوات البحث، وفي محَل نقاشنا الحالي حوالين الصَّلب مش عايزين أكتر من كده ومش محتاجين قراءات لاهوتيَّه أصلاً.

هل نقدَر في التَّاريخ نحتَج بالنبوَّات اللي بتتكلِّم عن صلب المسيح؟

قولاً واحداً، لأ! في كذا مُشكله في موضوع النبوَّات يخلُّو قبولهم قبول لاهوتي ميقدرش يغامِر بيه المؤرِّخ. من ضمن المشاكلِ دي مُشكلة إحتماليَّة “الدَّور” أو الإستدلال الدَّائري أو ال circular reasoning. خليني أضربلك مثال عشان تفهم قصدي. إقرا معايا الجُزء ده من نصّ قُمراني (من نصوص كهوف قُمران) رقمه 4Q169 وبعنوان Pesher on Nahum، النصّ من مقال ل Peter Flint بعنوان Jesus and the Dead Sea scrolls ونزل في كتاب إسمه The Historical Jesus in Context من إعداد تلاته من مؤرخي المسيحيه المُبكِّره وهم Amy-Jill Levine و John Dominic Crossan و Dale C. Allison سنة 2006 والإقتباس من ص128:

“نزل جانيوس الأسد الغاضب على قمران وإعتقل قائدها الغامض “مُعلِّم البِر” ودفعه إلى مُرتزقَتِهِ ليُصلَب. وحِينَمَا غَادَر الملك، أخذ [القمرانيون] جَسَد مُعلمهم المَكسور وحَرسوه حتى يَوم الدَّينونة … لقد آمنوا أن مُعلِّمهم سيقوم ويقود قطيع المؤمنين الذي له.”

دلوقتي ممكن ييجي واحد يقولك أنا شايف إن دي نبوَّه عن يسوع، وعن صلبه وموته وقيامته، وعايز إستخدمها عشان أستدل بيها على صَلب يسوع وموته وقيامته. هنا هو مُفترض إفتراض بيقول إن كان في نصّ بيقول كذا كذا، وبعد النصّ ده بحوالي 150 سنه جه شَخص وإنطبقت عليه النبوَّه .. لحد هنا حلو؟ تمام. المؤرِّخ هاييجي يقوله أنا بتعامل مع وثائق تاريخيَّه، وبتعامل مع النصوص المسيحيَّه كنصوص كتبها بَشَر وماليش دعوه بقصة الوحي عشان دي حاجه تبَع اللاهوتيين في القسم اللي جنبينا هناك، بس في القسم بتاعنا مبناخدش بالوحي والقصص دي. وهايروح المؤرِّخ والمُتخصص في الأدب يقولك أنا عندي سيناريو تاني للأحداث، وهايقولولك إيه اللي يمنع إن النص بتاع قمران ده إتكتب فعلاً قبل يسوع ب 150 والمُجتمعات المسيحيَّه الأولى كانت عارفه النصّ ده أو حتى عارفاه في صورة قصَّه، وعشان يصورو يسوع بإعتباره مُعلِّم البِر إستخدمو النصّ ده كأنه قالب يكتبو عليه قصّة يسوع، وبالتّالي الموضوع مش نبوَّه وتحقيق للنبوَّه ولكن سيرة حياة شخص إتكتبت عشان تقول إن الشّخص ده بتتحقق فيه النبوَّه. التمييز ده شرحه John Dominic Crossan في كتاب The Birth of Christianity ص.479. بيميِّز ما بين التاريخ اللي تم التنبؤ به والنَّاس بتفتكره زي ما حصل (باحثين زي Mark Goodacre بيسموه history remembered) وما بين التَّاريخ اللي إتكتب كمُحاكاه للنبوَّه و Crossan بيسميه prophecy historicized.

يعني قبولك لحَدَث ما بإعتباره نبوَّه موحى بها، وقبولك لنصّ ما بإعتباره وحي، وربطك للإتنين في صورة نبوَّه وتحقيقها ده شئ مقبول في الإطار اللاهوتي، بس المؤرِّخ عنده فرضيَّه تاني مُحتمله وعشان كده المؤرِّخ مش بيستخدم النبوَّات في البحث التَّاريخي

(2) إيه قيمة كتابات آباء الكنيسه في البحث التّاريخي؟

“مَوت يَسوع إعداماً تَحت حُكم بيلاطس البُنطي هو أمرٌ ثابت بأقصى دَرجة يُمكن أن يَبلُغها أيَّ أمرٍ تَاريخيّ. لأنَّه ]حتَّى[ إن لَم يكتُب أياً من تابعي يسوع لمئة عامٍ بعد صلبِهِ كُنَّا لنَعلَمَ عنهُ من كاتِبينِ ليسا من أتباعِهِ. أسمائهم فلافيوس يوسيفوس وكورنيليوس تاسيتوس .. لدينا، بكلماتٍ أخرى، ليس فقط شهوداً مسيحيِّين ولكن مؤرِّخ يهوديّ هام وآخَر وثنيّ ويتَّفِق كلاهُما على ثلاثة نِقاط بخصوصِ يسوع: (1) كانت هُناك حَرَكة، وكان هُناك إعدام بسبب تِلك الحَرَكة، ولكن بالرَّغمِ من ذلك الإعدام، كان هُناك إستمراراً للحَرَكة.”

John Dominic Crossan

Who Killed Jesus? (2010), Epilogue. HarperCollins, ebook.

هل نقدَر نستخدم كتابات آباء الكنيسة في بحثنا التّاريخي عن حادثة الصَّلب؟

الإجابه من جُزئين، آه ولأ! من ناحيه شهادة آباء الكنيسه لحدث بعيد عنهم زمنياً مالهاش قيمه عند المؤرِّخ. فمثلاً لما تكون إنت بتعتقد في شئ على عُهدة حد من الآباء ف الشيء هنا مُقنع بالنِّسبالك عشان إنت بتثق في الأب ده، ف ثقتك في إيرينيوس أو أثناسيوس أو غريغوريوس هي اللي بتدِّيك الدَّافِع إنك تصدَّق المعلومه اللي بينقلوها .. وهنا ترتكِب مُغالطه ممكن نسمِّيها الإقتناع بالنّيابه أو persuasion by proxy، يعني إنت بتصدَّق مش بناءاً على دليل تقدَر تدرسه، ولكن لأن المعلومه أقنعت فلان اللي إنت بتثق فيه ف انت بتشوف إنك مُبرَّر في إقتناعك. في عِلم المعرفه إنت هنا بتعمل شئ خاطيء إسمه التخلِّي عن عِبء الإثبات، بترمي الموضوع كله على فلان، ومدام فلان إقتنع أنا راضي، بس السؤال هو فلان نفسه عنده دليل ولا فلان كمان أخد المعلومه على عُهدة فلان قبله؟

إقرا كده الجُزء ده من مقال ليا سابق بعنوان “مقدمة في الخَبَر في الإبستمولوجيا الإجتماعية”:

“في مقال بعنوان Assurance Views of Testimony بيستخدم Philip J. Nickel عبارة “passing the buck” في التعبير عن الناس اللي بتخلط ما بين دور الشهاده كمُسوِّغ للمعرفه وبين كونها دليل للمعرفه. عبارة passing the buck في الأصل معانا إنك تلوم حد على حاجه كان المفروض إنت اللي تعملها. اللي هو يقصده هنا إن لو إنت قولتلي معلومه وأنا سألتك عن الدليل، المفروض إنت تديني الدليل بما أنك إنت إستخدمت المعلومه، لكن اللي ممكن يحصل إنك بدل ما تديني دليل على المعلومه ترمي عبء الإثبات على حد تاني –أو على الشهاده بتاعى فلان– ف تقولي أنا سمعت المعلومه من فلان. في الحاله دي إنت بترمي عبء المسئوليه والإثبات على فلان، لكن في نفس الوقت بترتكب مُغالطه لما بتدّعي إن مَعرفتك صَحيحه في حين إنك معندكش دليل عليها، كل اللي عندك هو مُبرِّر للتصديق وهو إنك بتثق في فلان. طب إفرض أنا مش بثق في فلان؟ إفرض إنت بتثق فيه بناءاً على أسباب مرتبطه بالعاطفه أو الآيديولوجيا وإنت شايفها كافيه للتصديق، بس أنا معنديش نفس الروابط العاطفيه والآيديولوجيه مع فلان وبالتّالي مش هاصدّق كلامه بدون دليل، وفي نفس الوقت إنت معندكش دليل ورميت المسئوليه على فلان. في الحاله دي الموضوع بقا فيه معلومه عماله تلف بين الناس ولم تنتهي إلى دليل، ولكن فقط إلى رغبة الناس في إنها تصدَّق على عُهدة فلان.”

بس يا سيدي، المؤرِّخ مباخدش معلومه ويسلِّم بيها عمياني، ف بالنسباله آباء الكنيسه معندهومش المعلومه، ولكن خدوها من اللي قبلهم، والمؤرِّخ مبيحبِّش يجري ورا حاجه ميعرفش أولها فين عشان يروح ويدرسه بنفسه. بس في نفس الوقت، كتابات الآباء اللي قريبه من الحَدَث ممكن يكون ليها أهميَّه، يعني كتابات واحد زي كليمندس الروماني في آخر القرن الأول ممكن تكون مصدر كويس، وناس زي بوليكاربوس وإغناطيوس الإنطاكي في بداية القرن التاني مهمين بردو، وبعدهم واحد إسمه بابياس هانبقا نجيله في معرض الكلام عن الأناجيل. بس الناس دي بردو مشافتش بنفسها، وبالتّالي هم مهمين، بس مش أدله مُباشره على الصَّلب.

بس في سبب تاني يخلي كتابات الآباء مهمه، لكن مش مهمه عشان هي كتابات “الآباء” ولكن عشان هم في وقتهم كان تحت إيديهم كتابات ناس أقدم، ممكن تكون ضاعت بالنسبالنا دلوقتي، ف قيمة كتابات الآباء ككتابات حامله لمصادِر أقدم دي بقا يقف قدامها المؤرِّخ ويحِس إن هنا ممكن يكون في شيء يستاهل البحث. على سبيل المثال لا الحَصر، كتابات واحد زي بابياس اللي لسه قايلك إسمه ده إحنا معندناش مخطوطات ليها، بس قدرنا نلاقي بعض من كتاباته في إقتباسات ناس جت بعده زي إيرينيوس ويوسابيوس القيصري وهكذا. ف المؤرِّخ ممكن يشوف مصادِر من القرن التاني ورا كتابات من القرن الرابِع، وأوقات مصادِر مُبكره جداً ورا نصوص من آخر القرن الأول وبداية القرن التاني.

كده يتبقّى نقطه، طب التَّقليد؟ منقدرش نرمي عبء الإثبات في موضوع الصَّلب على التَّقليد؟ إيمانياً لو عايز تقول إنك بتثِق في كل اللي الكنيسه بتسميه تقليد ف تمام، بس ده لا يصلُح كمدخل تاريخي يرضى به المؤرِّخ. هاديك مثال عشان الفكره توصل. واحد من أهم الناس اللي إستخدمت قصّة التقليد كان إيرينيوس أسقف ليون في القرن التّاني، إيرينيوس كان مُطّلِع على كتابات النّاس اللي قبله ويُقال إنه قابل بعضهم، زي مثلاً إنه قابل بوليكاربوس، واحد من الآباء الرسوليين (تلاميذ الرُّسل). إيرينيوس ليه كتاب مشهور إسمه Adversus Haereses أو “ضد الهرطقات”، وفي الكتاب ده في الكتاب التاني والفصل رقم 22 في الفقرات من 1 ل 6 بيناقش فكره كانت عند جماعه إسمهم الغنوسيين. الغنوسيين دول فيهم فرقه تعتقد إن المسيح مات في سن 31 وتحديداً في آخر الشهر ال 12 من السنه ال 31 من حياته. وتبريرهم للموضوع كان إن إنجيل لوقا 3: 23 بيقول إن يسوع إتعمِّد في سن 30، وفي 4: 19 لما دخل المجمع قرا من سِفر إشعياء الجُزء اللي بيقول “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ”، ف هم قالو يبقا المسيح جي يكرز لمدة سنه، وبناءاً على الآيتين دول إستنتجو إن أكيد المسيح مات في تمام السنه ال 31.

المهم، إيرينيوس كان عايز يضرب الفكره دي، ف إستخدم 3 طرق. أول حاجه حط الأناجيل الأربعه جنب بعض، وحسب فيهم كام فصح حضره المسيح في أورشليم، ولقا إن في 3 مرات المسيح راح أورشليم ومذكورين في يوحنَّا الإصحاحات 2 و 5 و 12، وقال إيرينيوس إن كده نقدر نثبت إن يسوع عاش لحد سن 33 سنه على الأقل مش زي ما بيقول الغنوسيين. يسكت إيرينيوس؟ لأ. راح قال إحتجاج تاني، قال إن يسوع إتعمِّد فعلاً وهو في سن التلاتين، لكنه بردو مر بكل المراحل السِنِّيَّه عشان يِفدي البشر على كل أعمارهم. بيقول نَصَّاً في الفقره الرابعه “جاء ليُخلِّصَ الجميع بنفسه، أقول الجميع الذين فيه يولدون من الله، الرُضَّع والأطفال والصِّبيان والشباب والكِبار. لهذا مَرَّ بنفسه في كُلِّ الأعمار، فصارَ رَضيعاً للرُضعانِ ليُقدِّسَ الرُّضعان، طِفلاً للأطفال ليُقدِّس الأطفال، صبِيَّاً للصِّبيان ليُقدِّس الذين هُم في سِنِّهِ، صائراً لهم في الوقت نفسهِ مِثالاً في التقوى والبِرِّ والطَّاعة. شابَّاً للشَّباب، ليصير مِثالاً للشَّباب كيما يُقدِّسهم للرَّب. وهكذا أيضاً صار كبيراً في السِّنِّ ليُقدِّسَ الكِبار (ضِد الهرطقات 2: 22: 4)”.

ممكن تقولي لأ، مش  واضحه، وأكيد كبير في السِن هنا يقصد بيها شباب يعني، ناضِج مش عجوز. هاقولك في مشكلتين هنا، الأولى إنه شرح بَعد كده في الفقره الخامسه وقال إن المرحله الأولى من العُمر بتستمر مروراً بالتلاتينات ولحد الأربعينات، ومن الأربعينات والخمسينات “يبدأ الإنسان في الإنحدار نحو السِّن الكبير” وكمِّل بعدها على طول وقال “هذا ]العُمر[ الذي كان للرَّب حين كان ما يزال يُحقِّق واجِباتِ مَنزِلَة المُعلِّم”! يعني إيرينيوس بيقول إن المسيح عاش لحد الخمسين؟ آه، بالظبط كده. هاتقولي طب ما يمكِن إستنتاج من عنده وغلط يعني. هاقولك ماهو مسكتش لحد هنا. كمِّل تاني وقال تالت إحتجاج عنده. هنا بقا إيرينيوس قال ده مش بس كده، ده أنا عندي دليل من الإنجيل والتَّقليد كمان، ودي النقطه اللي تهمنا. إيرينيوس راح لإنجيل يوحنَّا 8: 56-57 “أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟” وقال إن اليهود قالو ليسوع إنك مكملتش الخمسين سنه، يبقا إزاي بتقول إنك شوفت إبراهيم؟ وفسر إيرينيوس الكلام ده بإن يسوع أكيد كان في الأربعينات من عُمره، لأنه لو كان في التلاتينات كان المفروض يقولوله “انت لسه مكملتش الأربعين سنه”، وقال نصَّاً “هذه اللغة تنطبِق على من تخطَّى سِنِّ الأربعين ولكنَّه لم يصل إلى الخمسين بعد ولكنه ليس بعيداً عنها. لأن هؤلاء الذين أرادوا أن يتَّهموه بالكذِبِ بالتأكيدِ لم يكونوا ليُبالغوا في سَنوه بعيداً جدَّاً عنِّ السِنِّ الذي كان قد وصل إليه، ولكنَّهم قالوا سِنَّاً قريباً من سِنَّهِ الحقيقي سواءاً كانوا قد تحققوا من سِنِّه من بياناتِ السِجلّاتِ العامَّة أو مُجرَّد خمَّنوا من خلالِ ما لاحظوه أن سِنَّه تخطَّى الأربعين وأنَّه بالتأكيد لم يكُن في الثلاثين من العُمرِ. فإنَّه من غير المعقول تماماً أنَّهم أخطأوا السِّنّ بعشرين سنة.” وختم إستدلاله بإن مش بس الإنجيل اللي قال كده، ده كمان نفس الكلام اللي قاله كل الشيوخ اللي هم نفسهم سمعوه من يوحنَّا في آسيا واللي سمعو من باقي الرسل: “وأيضاً كما يشهد الإنجيل وجميع الشيوخ، هؤلاء الذين كلَّموا يوحنَّا تلميذ الرَّب في آسيا، أكَّدوا أن يوحنَّا أخبرهم بهذه المعلومة. وأنَّه ]أي يوحنَّأ[ قد بقى معهم إلى زمن تراجان. بعضهم لم يَر يوحنَّا فقط بل باقي الرُّسل أيضاً وسمعوا نفس الكلام منهم ويشهدون لهذا القَول”.

طبعاً لو حسبت حياة المسيح على 50 سنه هاتلاقي الموضوع مُشكله كبيره جداً، ف مثلاً لوقا ربط ميلاد المسيح بفترة حُكم كيرينيوس حوالي سنة 6 ميلادي، وبحسب الإشارات اللي في إنجيل متى ف ميلاد المسيح كان حوالي 4 قبل الميلاد. يعني ال range اللي عندك هو من 4 قبل الميلاد ل 6 ميلادي، ف لو المؤرِّخ خد كلام إيرينيوس كمعلومه أكيده يبقا الحِسبه باظت، وكده يسوع إتولد ما بين 24 قبل الميلاد و 14 قبل الميلاد، ودي حِسبه لا تمشي مع اللي في إنجيل متى ولا اللي في إنجيل لوقا. ولو حاولت توفَّق إيرينيوس مع متى ولوقا وتقول إنه إتولد في ال range اللي قالو عليه بس عاش لسن الخمسين هاتلاقي إن كده يسوع كان مُعاصِر لوقت إيمان بولس، اللي المفروض إن يسوع ظهرله على طريق دمشق في التلاتينات من القرن الأول. ف كده الحِسبه مستحيله، والحل المنطقي الوحيد هو إن كلام إيرينيوس غلط!

طب إيرينيوس جاب الكلام ده منين؟ أولاً في تقليد يهودي بيقول إن إبراهيم إختُتِن في سن ال 99، وبكده يكون ضَمَن للبشر في كُل الأعمار إنهم يدخلو في العهد مع الله، دي نفس الفكره اللي قالها إيرينيوس عن يسوع (هاتلاقي المصدَر في ورقة White اللي في آخر البوست). وكمان في نصّ لاتيني من القرن التالت إسمه De montibus Sina et Sion بيقول إن يسوع مات وهو عنده 46 سنه، والحِسبه دي جت من خلال تحويل إسم آدم باليوناني لمُكافئات رقميَّه (Ἀ+δ+ά+μ = 1+4+1+40 = 46)، وغالباً الفكره دي كانت مُنتشره من قبل القرن التالت. غالباً المعلومه اللي نقلها إيرينيوس ليها مصادِر تانيه، وباحثين زي Ogg بيقولو إنه نقلها من بابياس وليهم حُجَج في النُقطه دي. على كل حال، المثال ده يوريك إن بالرَّغم من إن إيرينيوس نقل معلومه تحت عنوان التقليد –وهو من هو في موضوع التقليد– إلا إن الموضوع بالتأكيد غلط. وبالتَّالي المؤرِّخ بيكون حذِر جداً في التعامل مع النَقل الشَّفاهي وفكرة النقل المُتسلسل داخل الجماعات، وتقدَر ترجَع لمقال “النقل الشفاهي: هل هو دقيق؟”

(3) يعني إيه مصادِر تاريخيَّه؟ شهادة فلافيوس يوسيفوس

“هذه هي ماهية التَّاريخ، قصص نَرويها عن أنفُسِنا في السَّابِق أو يرويها الآخرون عَنَّا. ولكن في كِتابة تِلك القصص لا يَكتشف المُؤرِّخون المَاضي بقدرِ ما يَصنعُونَهُ. هُم يَختارون الأحدَاث والأفراد التي يَعتقدون أنَّها تُعبِّرُ عن المَاضي، ويختارون أيَّاً منها يُهم أن نعرفه. … يَصنَع المؤرِّخون التَّاريخ بكتابتهِ. التَّاريخ ليس هُناك وحَسب، مُنتظِراً أن يَجِدَهُ المؤرِّخ. ليس التَّاريخ كَقصيدة مَفقودة أو حُطام كَاتدرائية أو نِظام أخلاقيّ مفقود يُمكن ]إعادة[ إكتشافه، فالتَّاريخ بلا وجود قَبل أن يُكتَب.”

Martha C. Howell and Walter Prevenier

From Reliable Sources: An Introduction to Historical Methods (2001, p.1). Cornell University Press.

زي ما بيشرح الإقتباس اللي فات، المؤرِّخ مش كيان شفاف بيعرض حقائق مُجرَّده، والتَّاريخ مش حاجه “بنلاقيها” وكأنها مفصوله عننا ومُحايده. التاريخ هو إعادة بناء لآثار الماضي، بيقوم بيها المؤرِّخ بناءاً على تحليله للمُعطيات المُتاحه، وبالرَّغم من مُحاولته المُستمرَّه للإبتعاد عن الإنحيازات، إلا إنه في إختياره لمصادره وفي تحليله ليها أكيد هايختلف رأيه عن رأي غيره، وهنا ييجي سؤال مهم: هو المؤرِّخين بيدوّرا على إيه أساساً؟ طب وإيه أنواع المصادِر اللي بيلاقوها؟ طب ولما بيلاقوها بيتعاملو معاها إزاي؟

إن كانت المُستحيلات التلاته هي الغول والعنقاء والخِل الوفي، ف المُستحيل الرابِع عند المؤرِّخ هو المصدَر التاريخي اللي بيقول الحقيقه الكامله ومش محتاج تدخُّل من المؤرِّخ أي مجهود في تحليله أو تفسيره. المؤرِّخ يتمنَّى إن المصدَر ده يكون موجود، لكنه في الواقِع مُستحيل. المؤرِّخ بيتعامل مع شيء مفقود، مع الماضي. والماضي ده مفيش أي طريقه لإعادة بناؤه بالكامِل ومعرفته كحقيقه كامله مُطلقه. مفيش شيء متاح عند المؤرِّخ اللي بيتعامِل مع العالم القديم غير البقايا والنقوش اللي بيلاقيها، بقايا المباني وال ostraca وبقايا الوثائق سواء اللي محفوظه في مكتبات قديمه أو اللي بتحفظها جماعات في دوايرها الخاصّه.

المصادِر دي في حالة المسيحيَّه، وتحديداً بالنِّسبه لوضع القرن الأوَّل، ممكن نقسمها لنوعين، لو هانمشي بتقسيم Gerd Theissen و Annete Merz في كتاب The Historical Jesus: A Comprehensive Guide ما بين صفحات 17 و 87: مصادِر مسيحيَّه ومصادِر غير مسيحيَّه. هانبتدي الأول بالمصادِر غير المسيحيَّه، لأن المصادِر المسيحيَّه –على غير المُتوقَّع– هي الأكثر تعقيداً واللي ممكن تلاقي فيها كلام كتير جديد عليك. وهنا هانركز بس على المصادِر اللي ناقشت موضوع الصَّلب، ومش هانتكلِّم عن المصادِر التانيه اللي ذكرت يسوع بشكل عام.

خلينا نبدأ بمُقدمِّة Theissen و Merz للفصل ده:

“الشهادات غير المسيحيَّة عن يسوع مُعرضة لخطر ذو وجهين، إمّا بالمُبالغة في تقديرها أو بعدم تقديرها بشكلٍ كافي. المُبالغة في تقديرها هي أن يتمنَّى الشخص أن يجِد من خلالها مدخلاً موضوعياً ليسوع التَّاريخي، مدخلاً خالياً من الغِطاء المسيحي … المصادِر غير المسيحيَّة هي على الأرجَح ردّة فِعل للتصريحات المسيحيَّة. ولكن أيضاً لا ينبغي أن يبخس الشَّخص قيمتهم كمصادِر. أولاً، ترجِع [تِلك الشهادات] إلى تصريحات مسيحيَّة على الأرجح مُستقلَّة عن الأناجيل. إنها شهادات مُستقلة. ثانياً، تُسجِّل لنا المواقف المُتضادَّة لليهود والوثنيين: من كِلا الجانبين لدينا مواقِف طيِّبة كيوسيفوس ومارا بار سيرابيون، وأحياناً مواقِف رافضة كالمصادِر الرَّابينيَّة والكُتَّاب الرومان. ثالثاً، تُظهِر لنا أن المُعاصرين في القرنِ الأوَّل والثَّاني لم يروا سبباً للشكِّ في وجود يسوع.”

وأضاف Theissen في كتاب The New Testament: History, Literature, and Religion ص.22 وقال “لا تُصوِّر جَمَاعة ما مُخلِّصها كمُجرمٍ مات ميتة مَهينة على الصَّليب إلّا إن كانت مُضطرة لذلِك. هذه الحَقيقة لم تكُن أبداً مَحَلّ شَكٍّ في العَالم القديم”

يعني بإختصار Theissen بيقولنا إن الشهادات الخارجيَّه مش شهادات ناس شافت بعينها ولكن ناس بترُد على كلام المسيحيين اللي سمعوه وقتها. وبيقولنا حقيقتين محدِّش شَك فيهم تماماً في العالم القديم: وجود يسوع تاريخياً، وصلبه وموته على الصَّليب. بس في نفس الوقت بيحذَّرنا من إن المصادِر الخارجيَّه مش مصادِر مُحايده، وأوقات بتعكس آراء مسيحيَّه وأوقات بتعكِس آراء ضدّ المسيحيين، زي مثلاً الإشارات اللي الكتابات الرومانيَّه إن المسيحيين أكلي لحوم بَشَر، وهكذا. وده يرجعنا تاني لفكرة دور المؤرِّخ اللي بيتعامل مع المصادِر اللي قدامه بحذر ومش بياخد منها وينقل وخلاص.

الإشاره المُهمه في كتابات يوسيفوس جتلنا من كتاب The Antiquities of the Jews (الجُزء 18 والفقره 63). الجُزء ده بيقول:

“وفي نحو هذا الوقت عشان يسوع هُناك، إنسانٌ حكيم، إن صَحّ أن ندعوه إنساناً. لأنه عَمِلَ أعمالاً عجيبة، ومُعلِّمٌ لهؤلاء الذين يقبلون الحقَّ بفرَح. رَبِح الكثير من اليهود واليونانيين أيضاً. كان هو المسيح. حين شهد عليه رجال من عِلية القومِ عندنا، حَكَم عليه بيلاطس بالصَّلبِ، ولكن هؤلاء الذين أحبّوه لم يتركوا حُبَّهم له، لأنَّه في اليوم الثَّالث ظَهَر لهم عائداً للحياة. أنبياء الله قد تنبأوا بهذا عنه وبالعديد من الأعمال العجيبة. وقبيلة المسيحيين التي دُعيت بإسمه لم تمُت حتى اليوم.”

بيقول Theissen إن الفقره دي، والمشهوره بين العلماء بإسم Testimonium Flavianum أو شهادة فلافيوس، كانت محَل نقد شديد من القرن ال 16. وكان في آراء بتميل إن الفقره دي كلها مُجرَّد إقحام مسيحي على نصّ يوسيفوس. في القرن العشرين بدأ السؤال يكون بخصوص ما إذا كانت الجُزئية دي مبنيه على كلام يوسيفوس فعلاً لكن المسيحيين عدِّلو فيه وراجعوه بحيث يكون بالشكل الحالي. بعد كده بيناقش Theissen الإحتمالات التلاته بخصوص النصّ ده: (1) إمَّا إنه أصيل وكتبه يوسيفوس فعلاً، أو (2) إنه منحول بالكامِل وكله من تأليف حد مسيحي وأقحمه على النصّ، أو (3) إنه مبني على كلام ليوسيفوس لكن كاتب مسيحي عدِّل فيه وضاف عليه وخلاه بالشَّكل الحالي. وهنا هاكلمك عن ال 3 إحتمالات دول.

  • الرأي اللي بيقول إن ال Testimonium Flavianum نصّ أصيل

بيقول Theissen و Merz إن مفيش ناس كتير بتميل للرأي ده حالياً، وإن إتنين من اللي كانو مع الرأي ده كانو Leopold von Ranke و Adolf von Harnack، وحتى دول بردو قالو إن الجُزء اللي بيقول “لأنَّه في اليوم الثَّالث ظَهَر لهم عائداً للحياة. أنبياء الله قد تنبأوا بهذا وبالعديد من الأعمال العظيمة عنه” بالتأكيد مُضاف. اللي مخليهم يقولو إن باقي النصّ أصيل هو:أولاً، السِّياق، لأن في فقره تانيه في الجُزء ال 20 وفقره رقم 200 بتتكلم عن يعقوب أخا الرَّب، والسياق بيفترض إن تم ذِكر يسوع قبل كده. ثانياً، وجود إقتباس قديم من يوسابيوس القيصري (ما بين سنة 260 و 339م) موجود فيه النصّ. ده أقدم مصدَر نقدر نتحقق منه من النصّ. ثالثاً، تحليل لغة النصّ وإسلوبه أقرب لإسلوب يوسيفوس من كونه إسلوب كاتب تاني. ف مثلاً وصف يسوع بإنه “إنسان حكيم” أو “رجُل حكيم” مش تسميه مسيحيه ليسوع، ولكنها منتشره في إسلوب يوسيفوس، ونفس الكلام عن عبارة “أعمال عجيبة”. تعبير “يقبل بفرح” تعبير بردو بيستخدمه يوسيفوس في أماكن تانيه ومن عباراته المُفضَّله. وصف الصَّلب بإعتباره بشهادة اليهود على يسوع لبيلاطس بيعكس إن الكاتب فاهم القانون اللي كان متطبَّق في إقليم اليهوديَّه، وكمان المؤلفين المسيحيين كانو بيميلو لتخفيف إدانة بيلاطس وبيميلو لتحميل اليهود ذنب موت يسوع. وأخيراً وصف المسيحيين بإعتبارهم “قبيلة” وصف فيه شيء من التَّحقير وعلى الأرجح مش مسيحي اللي هايقوله عن جماعته. ختاماً بيعلَّق Theissen وبيقول إن حُجَج كتير من دي مش مُقنعه لأن عادي اللي بينتحل كتابات حدّ ممكن يقلِّد إسلوبه وعباراته المُفضَّله.

  • الرأي اللي بيقول إن ال Testimonium Flavianumنصّ مزوَّر بالكامل

الرأي ده إتقال من ساعة القرن ال 16، Lukas Osiander مثلاً قال إن لو فلافيوس قال الكلام اللي مكتوب في الشهاده دي ف أكيد فلافيوس كان مسيحي. لأنه إعترف بإن يسوع هو المسيح، وإنه مات وقام وعمل مُعجزات والعهد القديم تنبَّأ عنه. ولأن فلافيوس يوسيفوس فضل طول حياته مسيحي ف بالتأكيد هو مقالش الكلام ده، وبالتأكيد اللي عنده مصلحه يضيف الكلام ده في كتابات يوسيفوس هو واحد مسيحي. الأسباب اللي الناس اللي بترفض النصّ بتقولها هي كالآتي: أولاً، السِّياق بيبيِّن إن الفقره دي موجوده في مكان غير مناسب، يعني كأنّها مُنقطعه عن اللي قبلها واللي بعدها، زي ما قال E. Norden، وقال كمان Norden إن في مجموعه من الكلمات والعبارات يوسيفوس مستخدها في أماكن كتير ومش موجوده في الفقره دي. ثانياً، بالرغم من إن آباء الكنيسه في القرن التاني والتالت إستخدمو كتابات يوسيفوس في تفسير العهد القديم، محدش منهم إقتبس الجُزء ده ولا إتكلم عنه، ومش منطقي يكونو عارفين الفقره دي ويتجاهلوها. وكمان واحد زي أوريجينوس بيقول قبل يوسابيوس القيصري بقرن إن يوسيفوس مكانش مؤمن بإن يسوع هو المسيح، فبالتأكيد أوريجينوس مكانش عارف الفقره دي. ثالثاً، اللغه والإسلوب بيبينو إن النصّ من كاتب مسيحي مش يهودي. ف مثلاً الجُزء اللي بيقول “إن صَحّ أن ندعوه إنساناً” بيعكس إن الكاتِب مؤمن بلاهوت يسوع وبيحاول يصحَّح النصّ عقيدياً. وطبعاً الجُزء اللي بيقول فيه إن يسوع هو المسيح بالتأكيد مش هاييجي من واحد يهودي مكانش مؤمن بيسوع. والنقطه الأخيره نفس النقطه اللي إعترض عليها von Renke و von Harnack إنه مات وقام وإن في نبوَّات عنه وعن العجائب اللي عملها بالتأكيد من يَدّ كاتب مسيحي.

  • الرأي الأخير اللي بيقول إن ال Testimonium Flavianum نصّ مُراجَع من نصّ أقدم كتبه يوسيفوس

بيقول Theissen إن الحلِّين اللي فاتو مش مُقنعين بالنسباله، الحَل الأول مش بيفسَّر إزاي واحد يهودي يقول كل الكلام الإيجابي ده عن يسوع وهو مش مؤمن بيه، والحَل التّاني مش بيفسَّر ليه النص بيعكِس إسلوب فلافيوس يوسيفوس بشكل واضح. بعد كده بيطرح Theissen عَرض لمُحاولة John P. Meier لإعادة بناء نصّ يوسيفوس قبل المُراجعه المسيحيَّه عليه، وبيقدم نقد بردو لكلام Meier. وبيقول بعد كده إن في نصِّين يُمكن إعادة بناءهم كمحاوله لفِهم الصوره الأصليه لكلام يوسيفوس، إعادة بناء منهم بتقدِّم يسوع بشكل سلبي، والتاني بتقدِّمه بشكل مُحايد إيجابي. النُسختين يُعتبر جُزء الكلام عن الصَّلب فيهم أصلي من كلام يوسيفوس نفسه، مش إقحام مسيحي متأخر وتقدر تراجع النُسختين في كتاب Jesus outside the New Testament ل E. Van Voorst ص.93 و 94 وهاتلاقي فيهم الإشاره للصلب. وفي كلامه عن النُسخه اللي هو شايفها أقرب وهي النُسخه المُحايده بيقول إنها شبه نُسخه إقتبسها بالعربي (بس أنا مترجمعها هنا من الإنجليزي) أغابيوس أسقف هيرابوليس في القرن العاشر، بيقول أغابيوس: “يوسيفوس … يقول أنه في هذا الوقت كان هُناك رجُلٌ حكيم إسمه يسوع، عاش حياة طيبِّة وعُرِفَ عنه التَّقوى وكان له تلاميذ كثيرين من اليهود وآخرين. بيلاطس حكم عليه بالصلبِ والموت، ولكن هؤلاء الذين كانوا تلاميذاً له لم يتخلَّوا عن تلمذتهم له وأخبروا أنَّه ظهر لهم في اليوم الثَّالِث بعد صلبهِ وكان حيَّاً، ولهذا رُبّما كان هو المسيح الذي قال عنه الأنبياء أموراً عظيمة.”

بيلاحظ Theissen إن نسخة أغابيوس من كلام يوسيفوس مفيهاش الأجزاء اللي فيها المشاكل اللي الباحثين علقو عليها، وحتى الكلام عن مسيانيَّة يسوع إتقال في سياق الشَّك “رُبَّما”، وخَبَر القيامه منقول بإعتباره كلام التلاميذ، مش حقيقه بيقِرَّها يوسيفوس. بيقول Theissen بعد كده إن ال reconstruction اللي بيقدم يسوع بصوره مُحايده هو الأرجح في وجهة نظره، وده التصوُّر اللي هو شايفه كمان في نُسخة أغابيوس.

بناءاً على ما سَبَق، سواء هاتتبنّى فكرة إن النُسخه الأوليه من كلام يوسيفوس كانت سلبيه عن يسوع زي باحثين زي F. F. Bruce و Robert Eisler و S. G. F. Brandon و Ernst Bammel و Graham Stanton و Graham Twelfree أو هاتبنى إنها كانت مُحايده زي Theissen و Merz و J. Klausner و P. Winter و G. Vermes، ف في الحالتين النصّ ذكر الصَّلب، وبالتّالي أول شاهد معانا للصَّلب هو فلافيوس يوسيفوس (عاش من 37 أو 38 لبعد سنة 100م)، مُؤرِّخ يهودي غير مؤمن بيسوع، كان إبن كاهن فريسي وكان قائد في الجليل وقت الحرب اليهوديه الأولى ووقع أسير في الحَرب وحرره الإمبراطور Vespasian. عاش بعد كده في روما تحت حماية العائله الفلافيه الإمبراطوريه وكان في منصب هام جدّاً في روما، يعرف أحداث موت يعقوب أخا الرَّب، ويعرف يوحنَّا المعمدان وموته (بالرغم إنه قال إنه مات بسبب إن السلطه خافت منه إنه يحرَّك الجموع ضدّهم، راجع The Anchor Yale Bible Dictionary، الجُزء التالت ص990)، وعلى الأرجَح كان يعرف عن يسوع، ويعرف موته، وحَددلنا إنه مَات بالصَّلب في فترة حُكم بيلاطس البُنطي. لو كان في شَك عند يوسيفوس في مَعلومة الصَّلب والموت ف هو كان جَدير بإنه يعرف ده ويصحَّحه أو يعترض عليه، سواء بإعتباره يهودي أو بحُكم مكانته الكبيره في روما وإطلاعه على سجِلَّات الإمبراطوريّه.

(4) شهادة بوبليوس كورنيليوس تاسيتوس

“لا تُصوِّر جَمَاعة ما مُخلِّصها كمُجرمٍ مات ميتة مَهينة على الصَّليب إلّا إن كانت مُضطرة لذلِك. هذه الحَقيقة لم تكُن أبداً مَحَلّ شَكٍّ في العَالم القديم. يَسرد تاسيتوس صَلبَ يسوع[1] في مُذكِّرته القَصيرة عن المَسيحيين ويجعَل بيلاطس مَسئولاً (في الحَوليات 15: 44: 3). بالنسبة له يُعتَبَر المَسيحيوُّن مَلومينَ لأنَّهم يتبعون مُجرِماً قُتل على أيدي الرُّومان.”

Gerd Theissen

Theissen, G. (2003), The New Testament: History, Literature, and Religion. p.22.

تاسيتوس المؤرِّخ والسياسي الروماني اللي عاش ما بين سنة 56م وسنة 120م هو واحد من المصادِر المُهِمَّه اللي إتكلمت عن موت يسوع. وقيمة تاسيتوس إنه كان واحد من أهم مؤرِّخي الإمبراطوريّه الرومانيَّه، وكتب كتابين هم Histories أو التواريخ و Annals أو الحوليات، وده كتاب بيأرَّخ تاريخ روما ما بين سنة 14 و 66م، ولكن للأسف الجُزء اللي بيناقش الفتره ما بين سنة 29 و 32 مفقود، وبالتَّالي منعرفش إن كان في مُعالجه طويله لشيء عن حياة يسوع وبداية المسيحيه ولا لأ، مفيش غير إقتباس قصير بس. في الجُزء ده بيتكلِّم عن المسيحيين في معرض الحديث عن حريق روما في عهد نيرون، وسياق الكلام كان مقارنه بين أول خمس سنين الهاديه في حكم نيرون والسنين اللي بعد كده اللي كان فيها عُنف شديد، وعلى عكس النُسخه الطويله من شهادة يوسيفوس، نُسخة تاسيتوس بتصوَّر المسيحيين بشكل مُحايد ومفيهوش أي عَلامات لإضافات مَسيحيَّه وبالتأكيد أصيله ومن تأليف تاسيتوس نفسه (بيقول John P. Meier في كتاب Marginal Jew المُجلَّد الأوَّل ص90 إن “بالرَّغم من بعض المُحاولات الواهية لإثبات أن القِطعة هي إضافة مسيحيَّة لكلام تاسيتوس إلَّا أن القطعة أصيلة بشكلٍ واضح). والعَرض المُحايد بين في كراهيته للمسيحيين ومع ذلِك برأهم من تُهمة الحَرق لكن إتهمهم بإن عندهم  “كراهية ضد البشريَّة”. وبينتقد في نفس الفقره العُنف اللي مارسه نيرون، وبيقول “حتَّى المُجرمين الذين يستحقّون أقصى العَقاب وأن يكونوا عِبرة صاروا مَدعاة للشفقة، لأنه لم يكُن للصالح العام ولكن لإشباعِ قَسوة رجُلٍ واحد يتِم سحقهم (الحوليات 15: 44: 5).” قبل الفقره اللي فاتت بفقرتين، يعني في 15: 44: 3، بيتكلِّم عن المسيحيين واللي يعرفه عن الشخص المنسوبين له، وبيسميه Christus. بيقول:

“كريستوس، الذي منه إشتُقَّ الإٍسم (أيّ إسم المسيحيين)، تعرَّضَ للعقوبة في فترةِ حُكم تايبيروس وعلى أيدي أحد ولاتِهِ procurator، بيلاطس البنطي. وتحيَّنت خُرافة شديدة الأذى اللحظة وإنتشرت لا فقط في اليهودية التي هي مكان الشَّرِّ الأوَّل، بل حتَّى في روما التي فيها تجِدُ كُل الأشياء الكريهة والبشعة من كُلِّ أنحاء العالم مركزاً وتنتشر.”

بيقول Theissen و Merz في The Historical Jesus: a Comprehensive Guide ص82 إن تاسيتوس باني السَّرد بتاعه على مصدَر تاريخي أقدم ومفقود. وبيقولو إنه إفتراض جائز إن تاسيتوس إعترض لمشكلة المسيحيين في فترة حُكمه في آسيا الصغري، وعرِف عنهم من خلال التحقيق والمُحاكمات. وتوصَّل لنتيجة إن المسيحيين كانو مُذنبين وإنهم في سبيل الصالِح العام لازم يتعاقبو أشد العقاب. أما بالنِّسبه للمصدر التاريخي اللي بيعتبره Theissen مفقود، هو يعتقِد إن المصدَر ده مش يوسيفوس –زي ما قال von Harnack– ولكن ممكن يكون واحد من مصادره مثلاً في معلوماته عن حريق روما كان بليني الأكبر. وارد بردو تكون مصادره مصادِر من سجِلات الدوله (وده بيعترض عليه John P. Meier في ص91 بسبب خطأ عمله تاسيتوس في تحديد منصب بيلاطس)، خصوصاً إن تم ربط الكلام عن المسيحيين بإخماد خُرافه، وده يبدو منه إن السَّرد من وجهة نظَر الإمبراطوريّه وبالتأكيد مش من مصدر مسيحي. على الجانِب الآخر، بيقول Martin Hengel في كتاب Crucifixion ص3 إن معلومات تاسيتوس جت من المُحاكمات والتحقيقات اللي كان بيعملها للمسيحيين في آسيا الصغرى، وإفتكر معايا الإشارات للأماكن عشان دي هانجيلها تاني قريب. لحد دلوقتي شوفنا واحد كان في اليهوديَّه أساساً اللي هو يوسيفوس، ونقلنا خبر صلب المسيح (يعني ده جيّ من مكان ما كل حاجه بدأت)، وبعد كده راح روما ونقل الخَبَر من هناك، وبعد كده عندنا مؤرِّخ تاني كان عارف مُعتقد المسيحيين في صلب المسيح في آسيا الصغرى. في المُجمل تاسيتوس يعرف إن كريستوس مؤسس الجماعه مات بالإعدام في فترة تايبيريوس (يعني ما بين 14 و 37م) وتحديداً في حُكم بيلاطس (ما بين 26 و 36م)، ويعرف إن الحركه بتاعته كانت في إقليم اليهوديَّه، ويعرف إن المسيحيين أتباعه كانو مُنتشرين في روما في وقت نيرون، ولكن بيقول Theissen إن في خطأ غريب من تاسيتوس هو إنه قال إن منصب بيلاطس كان procurator (حاجه أشبه بممثل للإمبراطور على إقليم) في حين إن منصبه في الحقيقه كان praefectus.

في معلومتين تاني مهمين ولازم تشوفهم جنب كلام تاسيتوس. المسيحيين كانو بيتشتمو بسبب إعتقادهم في موت يسوع اللي إتكلمو عنه بإعتباره المسيح والرَّب. في مصادِر كتير للموضوع ده، بس خلينا نمسك مثلاً نقش يوناني من آخر القرن التاني ويمكن أول التالت (وفي ناس بتقول إنه ممكن يرجَع لآخر الأول أو التّاني كمان زي Robert L. Webb في كتاب Key Events in the Life of the Historical Jesus: A Collaborative Exploration of Context and Coherence ص688) معروف بإسم Alexamenos graffito، النقش ده بيصوَّر حمار مصلوب ومكتوب جنبه “أليكسامينوس يعبد إلهه”. وفي القرن التالت بردو عندنا عَمَل إسمه Octavius للكاتب لاتيني مسيحي Marcus Minucius Felix، في العَمَل ده في شخصيَّه إسمها Caecilius بيهاجم المسيحيين وبيعتبرهم حُقراء بائسين لأن عبادتهم بتتمحور حوالين شخص مات بجريمه ومات على صليب. ف من الأكيد إن المسيحيين كانو بيتشتمو بموضوع صَلب يسوع، ومش بس بيتشتمو بيه ولكن بيُعتبرو فئه تؤمن بالخُرافات والأوهام، زي ما وصفهم بليني الأصغر بعد ما حقق معاهم بإنهم مجانين (راجِع Hengel ص2). مش بس كمان كانو بيتشتمو، ولكن كان بيُنظَر ليهم على أنهم أعداء للإمبراطوريَّه وإنهم عملو شَغَب زي معلمهم وإنهم بيتقتلو وقت نيرون بسبب نفس الكراهيه اللي مات بسببها مُعلِّمهم. يعني الموضوع مش مُجرَّد ناس مُقتنعه بحاجه وخلاص، لأ، ده بسبب الإعتقاد ده بقو أعداء للدوله ومنهم كتر إتقتل، يبقا لو كان في أي إمكانيَّه لإستخدام سرديَّه بترفَع عنهم مُشكلة الصَّليب كان هايبقا المنطقي إنهم يقولوها ويصلَّحو أوضاعهم مع الحُكَّام.

المسيحيين على الجانِب الآخَر، مكانش ردّهم هو الإنكار أو مُحاولة تخفيف اللوم عنهم، ولو كانو يعرفو قِصَّة بازيليدس عن إن اللي إتصلب هو سمعان القيرواني كان هايبقا من مصلحة المسيحيين إنهم يدافعو عن نفسهم بيها. ولكنهم تحملو الإهانه بإعتبارها حقيقه، وحتى في دفاعاتهم كانت الحُجَّه إنه مش بس مات ولكن “قام كما في الكتب”، وفي بعض المُدافعين اللي إستخدمو الكتابات الوثنيه في إنهم يقولو للرومان إنهم كمسيحيين مش مؤمنين بحاجه أغرب من اللي يؤمن بيها الرومان عن أنصاف الآلهه اللي زي يوستين الشهيد في الدفاع الأول والفصل 21، بيقول يوستين ما معناه إننا لما بنقول إن كلمة الله وُلِد من غير جنس، وإنه إتصلب ومات وقام وصَعَد إحنا مش بنقول حاجه مُختلفه عن اللي إنتو (الرُّومان) مؤمنين بيه عن آباء جوبيتر. وبيبتدي يسرد التشابهات بين كلام المسيحيين عن يسوع وبين كلام الرومان عن آسكليبيوس ومعجزاته وموته لما البَرق ضربه وصعوده للسما، وباخوس اللي إتقطَّع تماماً صَعَد للسما، وكمان هيرلكيز اللي حَرَق نفسه عشان يهرَب من أتعابه. وبعد كده بيتكلم عن بيرسيوس اللي قام من الموت (بتعبير يوستين، وممكن حد يقول إنها مش قيامه لكن خروج للميت من هاديس، بس خلي دي لمقال تاني) وصَعَد السما على حصانه بيجاسوس (فكرة الصّعود للسما بدابَّه كانت مُنتشره في العالم القديم). وبعد كده بيكلمهم عن إعتقاداهم في الأباطره، وإزاي كانو بيتألهو (بينالو تأليه أو بيبقو آلهه) بعد موتهم، وبيحكي عن الشهود اللي بيشهود لرؤيتهم قيصر بعد موته وصعوده للسما (أيوه دي كمان theme مشهور في العالم القديم، رؤية الشخص حيّ بعد موته وظهوره لمجموعه من الشّهود، ممكن ترجَع لكتاب Richard C. Miller اللي إسمه Resurrection and Reception in Early Christianity وهاتلاقي متكلِّم عن الموضوع ده).

وهكذا وهكذا، في أمثله كتير من القرون الأولى لمسيحيين بيتشتمو بالصَّليب (ولحَد النهارده!)، وبما إنهم تحمَّلو الحَرَج (مش بس حَرَج السُباب ولكن حَرَج إنهم يلجأو للإعتراف بتشابه قصِّتهم مع القصص اللي بيؤمن بيها الوثنيين زي ما يوسيتنوس عمل) بدل ما يزيِّفو القصَّه ويتخلَّصو من عبء الصَّليب ده معناه إن الحَدَث كان حقيقي وثابت عندهم بدرجَه تخلِّي تحمُّل السُّباب أخف وطأه من تغيير سرديتهم عن طريقة موت قادئهم. وده اللي بيسميه مؤرِّخي المسيحيَّه المُبكِّره “معيار الحَرَج” أو Criterion of Embarrassment. ده بقا هايكون موضوع الجُزء الجيّ، إيه هي المعايير اللي المؤرِّخ بيستخدمها في تصنيف وتقييم المواد اللي جوا مصادره، وقدامنا كام جُزء مُقدِّمات للدخول للنصوص المسيحيَّه لأنها الأصعب والأكثر تعقيداً ولكنها الأوفَر من ناحية تأكيدها للصَّلب.

(5) معايير الأصالة: معيار الشَّهادات المُتعدِّدة (الجُزء الأوَّل: شَرح المعيار وأمثله عليه)

“بجانِب تِلك الحُجَج العامَّة التي تُساعد مبدئياً في تأسيس موقِف عام تجاه مادَّة الأنجيل، توجَد أدوات مُحدَّدة يُمكن إستخدامها للتحقُّق من التَّاريخيَّة، أو على الأقل الإحتماليَّة التَّاريخيَّة لقَول أو تعليم أو فِعل مُحدَّد ليسوع في الأناجيل. هذه الأدوات أو القواعِد سُمِّيَت “معاييراً” بها يُمكن التثبُّت من أصالة أو عَدَم أصالة مادَّة مُحدَّدَة.”

Robert H. Stein

The ‘Criteria’ for Authenticity,” R.T. France & David Wenham, eds., Gospel Perspectives, Vol.1, Studies of History and Tradition in the Four Gospels (p.228).

“يبدو أن الباحثين يتنافسون بعضهم البعض على مَن يستطيع أن يجمَع القائمة الأكبر من المعايير. أحياناً تكون الدوافِع الدِّفاعيَّة موضِع تأثير، بحيث تؤدِّي العديد من المَعايير ]التي نَختارها[ إلى نَتائِج بحثِنا. أما الباحثين الأكثر وعياً بلا شَك يبحثون عن ضوابِط أكثَر –بقدر المُستطاع– للمادَّة المُستعصية. ولكن عادَةً ما هو بالأساس مِعيار واحد يُقَطَّع لإنتاجِ عَدَد من المَعايير، والمعايير التي يُمكن في أفضَل الظروف إعتبارها الثَّانويَّة يتم دَمجها مع المعايير المُفيدة فِعلاً. أنا أتفق مع Ocean في أن المعايير يجب ألَّا يتِم مُضافتها بدون داعٍ. لذلك أُفضِّل أن أُبقي على خَمسة معايير أساسيَّة من العَديد المُقتَرَح. وبَعد أن ننظُر في تِلك الخمسة، سننظُر في خَمسة معايير أخرى ثانويَّة، يُسمِّيها البعض الخَمسة مَعايير المَشكوك فيها. بَعض تِلك المَعايير تُنتِج مُجرَّد تأكيدات لقرارات توصَّلنا إليها سابقاً بناءاً على المعايير الأوليَّة.”

John P. Meier

A marginal Jew, rethinking the historical Jesus: Volume one, The Roots of the Problem and the Person (p.168).

مَبدئيَّاً من الواضِح من كلام Stein و Meier إن المعايير دي مش معناها يقين تاريخي، ولكن تَرجِيح بناءاً على المصادِر المُتاحه وترتيبها وتقسيمها وطَريقة مُعالجتها. وكُل معيار منهم لوحده أوقات مبيكونش كافي وكمان نفس الباحثين اللي إتقرحو المعايير دي نقدوها، يعني Stein في نفس الورقه المذكوره بينتقد بعض المعايير وهانتكلِّم في ده بالتفصيل في كل مِعيار. وكمان Dale C. Allison في كتاب Constructing Jesus عَمَل نقد للمعايير، ودلوقتي إحنا في مَرحله بتتسمِّى في بعض الدراسات مرحلة ال post-criteria، بحيث إن مفيش معيار أو معايير قادره على برهَنة التاريخ كحقيقه مُطلقه، ولكن بيُستخدم تراكُم المعايير لترجيح رأي على التاني بشكل نِسبي. يعني المعايير مُفيده بس مينفعش تتحوَّل لدوجما ولازم يكون الباحث مُدرك الإشكاليات المَنهجيَّه حاوالين كفاية المَعايير وصلاحيَّة بعضها بالأساس. في السلسله دي هانركِّز بس على المعايير اللي تصلُح لإثبات تاريخيَّة الأحداث، لأن محَل بحثنا هو الصَّلب، لكن في معايير تانيه بتنفَع للأقوال، ودي هانتكلِّم عنها في وقت تاني.

المعيار الأوَّل، وهو من المعايير الأساسيَّه اللي تقريباً في عليها إتِّفاق كامل هو معيار الشهادات المُتعددة أو The Criterion of Multiple Attestation. المقصود بالمعيار ده هو إن الحَدَث أو القَول محَل البحث يكون عليه شهادات (أدلَّه أو مصادِر) متعدده ومُستقلَّه. مُتعدده يعني مسارات مُختلفه من الخَبَر، كل ما زاد عددها كُل ما كانت إحتماليَّة تاريخيَّتها أعلى، بشرط إنهم ميكونوش مُعتمدين على بعض. يعني مثلاً، من الثَّابِت –واللي لسه هانجيله بتفصيل أكبر قدام– إن إنجيل متَّى وإنجيل لوقا إستخدمو إنجيل مرقس، وأغلبَّة إنجيل مرقس موجوده في متَّى ولوقا نَصَّاً (من 80% ل 90% من مرقس موجود في متَّى، وحوالي 65% من مرقس موجود في لوقا)، وبالتَّالي لو عندنا نَصّ موجود في التَّقليد الثُّلاثي (يعني موجود في مرقس ومتَّى ولوقا) بنعتبره موجود في مصدَر واحد فقط لأن مصدر متَّى ولوقا في الحاله دي هو مرقس. في إستثناء وحيد للنقطه دي، حاجه إسمه Mark-Q overlaps، يعني المادَّه المُشتركه ما بين متَّى ولوقا (اللي بتتسمَّى Q)، وموجوده بردو في مرقس بس بصياغه تانيه تدُل إن القَول وصل لمتَّى ولوقا من مصدَر تاني مش من مرقس. في الحاله دي عندنا مصدرين. بيشرح F. C. Burkett المعيار ده بيقول: “يبدو لي أن نقطة البداية التي نحتاجها يُمكن أن نجدها في تِلك الأقوال ذات الشهادات المُزدوجة حقيقيَّة. الوثائق الأساسيَّة التي تتألَف منها الأناجيل هي (1) إنجيل مرقس، المصدَر المُشترك المفقود للمادَّة التي لا توجَد في مرقس ولكن تُوجَد في متَّى ولوقا، المصدَر المُسمَّى Q. أينما نجِد أن Q و مرقس ينقِلان نفس القَول نقترِب بأقصى قدرٍ يُمكن أن نأمله للتَّقليد المُشترك للمُجتمَع المسيحي الأقدم عن كَلمات ربّنا.” (Stein ص230)

في سؤال مُهم هنا، هل معنى إن حاجه عليها أدلَّه متعدده مُنفصله إن الحاجه دي بالضَّروره بترجَع ليسوع؟ الإجابه بشكل مُباشر لأ. معيار المصادِر المُتعدده بيقول إن الخَبَر قديم (أقدم من المصادِر المُتعدده اللي بتنقله)، لكن مش بالضَّروره القَول ده أو الحَدَث ده بيرجَع يسوع نفسه. مثلاً بيقول Robert Stein في مقال بعنوان Criteria of Authenticity إن تعدُّد المصادِر وسيله لا غِنى هنا بالنسبه للمؤرِّخ ولكنها لا تكفي لتحقيق “اليقين” بنفسها لأن وجود مصادِر مُتعدده وقديمه لمعلومه معناه إن المعلومه قديمه لكن مش معناه إن المعلومه صحيحه. وكمان بيضرب Dale C. Allison (في كتاب Constructing Jesus ص7-8) مثال في مناقشة الشهادات المُتعدده ف بيقول ما معناه إن تخيل مثلاً لو عندنا شخص مؤثِّر هانسميه X وكان قُريِّب زمنياً ومكانياً من شخص مُهم هانسميه Y وهو محل البحث التاريخي، الشخص المؤثِّر X ده ممكن يتكلِّم وينسب أقوال ل Y، والناس تنقل عن Y على لسان X، ويجيلك شهادات مُتعدده عن حاجات قالها Y وتوصلك كمؤرِّخ بعد قرون. هنا إنت قدام شهادات مُتعدده، لكن مش بالضَّروره تقدَر تقول إنها راجعه ل Y، تقدَر بس تقول إنها ظهرت بشكل مُبكِّر، لكن مصدرها إيه ده سؤال متقدرش المصادر المُتعدده تجاوبه ولا تقدر تستخدم المعيار ده في مُعالجة والوقوف على مصدَر الأخبار والأقوال.

وهنا نرجَع تاني للفرق ما بين التسويغ justification والمعرفه knowledge. المؤرِّخ في بحث الأسئله القديمه ميقدرش يوصل لمعرفه يقينيَّه صحيحه، ولكن يقدر يبني صوره مُسوَّغه بأدواته مبنيه على المُعطيات المُتاحه. يعني تخيَّل لو في حدث كتاب عنه 20 مصدَر، منهم 10 بيكتبو من منظور و10 بيكتبو من منظور مُضاد أو مُنافس، وضاع من المصادر دي 17، منهم ال 10 اللي بيتكلو من منظور مُضاد، كده إتبقالك 3 مصادر، ممكن تقدَر تبني عليهم صوره كمؤرِّخ وهاتكون مُسوَّغ في التصوُّر اللي بتبنيه لأن دي المُعطيات اللي باقيالك، لكن متقدرش تقول إن “إنتشار الخَبَر” أو “البِناء التاريخي” اللي عملته بيوصَّل لليقين أو إنه مُساوي للإدراك بالحِس، أو إنه بيوصَّل لمعرفه كامله. أقصى ما يُمكن تحقيقه هو تسويغ بناءاً على المُتاح. وده مُفتاح في فِهم دور المؤرِّخ، المؤرِّخ بيدوَّر على معرفه مُسوَّغه أو مُبرَّره، بس غياب اليقين المُطلق مش مُبرِّر لإفتراض بدائل مفيش دليل أو “تسويغ” عليها. يعني مثلاً لو أنا عملتلك دليل تراكُمي cumulative على الصَّلب، بناءاً على المُعطيات الباقيه المُتاحه، مش من حقَّك تفترض بديل وترفض دليلي التراكُمي بناءاً على لا يقينيَّة التَّاريخ، البديل الوحيد هو إنّك تقترح سيناريو بديل مُسوَّغ ومدعوم بالدَّليل، لكن إقتراحك لبديل بلا تسويغ أو دليل لا يقَع في حيِّز عَمَل المؤرِّخ لأن الإفتراضات عددها لا نهائي، وبالتَّالي لازم تقدَر تحوِّل طرحَك من مُجرَّد كونه مُمكن possible لكونه مُحتمَل plausible وبعد كده لكونه هو الإحتمال الأكثر ترجيحاً most probable. إنك تِرمي إحتمال مُمكن لا يَنفي تراكُم الدليل اللي أنا بنيته بإعتباره probable، الحَل الوحيد إنَّك تفنِّد الدليل بتاعي وتجيب “دليل” بديل يخلِّي طرحك هو المُرجَّح البديل.

في نقطه تانيه مُهمَّه هنا، وهي إن عدد المصادِر اللي بيعتمدها المؤرِّخ بيختلف، ف مثلاً بعد الدَّارسين بيعتبرو إنجيل بطرس وإنجيل توما مصادِر مُهمَّه بالرغم من إنهم أناجيل مش مُعتبره من ضِمن القانون بتاع العهد الجديد. وفي دارسين بيعتبرو إن مفيش مصدَر الأقوال Q وعندهم طريقه تانيه في شَرح التقاطعات بين مَتَّى ولوقا (زي إن لوقا إستخدم متَّى مثلاً)، ولكن تظَل الأطروحه الأكثر إستقرار على الأقل لحد دلوقتي هي أطروحة المصدرين، يعني إن متى ولوقا بشكل مُنفصل ومُستقِل إستخدمو مرقس ومصدر الأقوال Q في تشكيل رواياتهم لحياة يسوع، وفي منها نسخه تانيه أكثر تفصيلاً وهي نظرية الأربع مصادِر، هانجيلها قدام بتقول إن متَّى ولوقا بشكل مُستقبل ومُنفصل إستخدمو مرقس ومصدَر الأقوال Q وبالإضافه ليهم كان لمتَّى مصدَر مُستقل لبعض معلوماته (إسمه M) وعند لوقا مصدَر مُستقِل لبعض التفاصيل اللي بيسردها (بيتسمى L) اللي حد زي Marion Soards بيعتبره مصدَر مُنفصل لرواية الآلام في لوقا 22، وده هانجيله في الجُزء اللي جي لما نطبَّق معيار الشهادات المُتعدده على الصَّلب.

هاديك مثال لتطبيق معيار الشهادات المُتعدده عشان تقدَر تتصوَّر الفِكره. الموقف اللي قال فيه يسوع “أعطوا ما لقيصر وما لله لله” موجود في مرقس 12: 13-17، ومتى 22: 15-22، ولوقا 20: 19-26، وإنجيل توما 100: 1-4، وإنجيل إيجرتون 3: 1-6. بالنِّسبه لمؤرِّخ شايف إن توما وإيجرتون مصادِر مُستقله هو كده عنده 3 مصادِر للموقِف ده (زي مثلاً الدَّارسين بتوع سمينار يسوع Jesus Seminar في كتاب The Five Gospels: What did Jesus Really Say ص102)، مرقس (مصدَر لمتَّى ولوقا) وتوما وإيجرتون (بالرَّغم من إن إنجيل إيجرتون بيحكي القصَّه وبيختمها بقول مُختلف شويَّه عن اللي في باقي الأناجيل). أما لو مؤرِّخ عنده حُجج كافيه لنقد كون توما وإيجرتون مش مصادِر مُستقله يبقا هو في الآخِر عنده مصدَر واحد وهو مرقس. هاتقولي طب ما كده الدنيا عايمه شويّه، هاقولك لازم تكون فاهِم الحُجَج عشان تعرف تقيِّمها وتشوف أنهي اللي هايكون مُقنع بالنسبالك أكتر، زي ما إتَّفقنا دراسة التَّأريخ مش شوية مُسلَّمات يقينيَّه ولكن تراكُم من الترجيحات بناءاً على الدَّليل. وعشان كده نرجَع ونقول إن الباحثين بيقولو لازم المعايير تكون بتستخدم جنب بعض، مينفعش ناخد معيار واحد ونجري.

مثال لقَول تاني وتطبيق معيار الشهادات المُتعدِّده عليه هو كلمات يسوع في العَشاء الأخير في مرقس 14: 22-25، عندنا ليها مصدَر تاني في كورنثوس الأولى 11: 23-26 وتالت في يوحنَّا 6: 51-58 بحسب تحليل John P. Meier (A Marginal Jew الجُزء الأوَّل ص174)، في حين إن باحثي سمينار يسوع شايفين إن النصوص دي كلّها بترجَع لمرقس ويمكن يوحنَّا، وكتير منهم بيرجَّحو إن يسوع مارس طقس رمزي أثناء العشاء الأخير، ولكنهم شايفين إن صَعب يحددو قال إيه بالظبط في الطَّقس ده. وفي دارسين تانيين بيردُّو الصياغه لبولس وإن كاتِب إنجيل مرقس إعتمد على بولس فيها. في كلّ الأحوال، اللي نعرفه إن صياغة أقوال المسيح في العشاء الأخير قديمه في المُجتمع المسيحي وبيختلف الباحثين في إمكانيَّة ردّها ليسوع نفسه ولكن الكُل مُتَّفق إنها قديمه وإن يسوع مارس طقس ما في المُناسبه دي وإن الكنيسه إستمرت في ممارسته وإن كان البعض شايف إنها طوَّرِته وصبغته صبغه لاهوتيَّه مسيحيَّه أكثر تعقيداً.

مثال تالت موجود في كتاب Delbert Burkett بعنوان An Introduction to the New Testament and the Origins of Christianity هو الخِلاف اللي حصل ما بين يسوع والكتبه والفريسيين في مرقس 3: 22، بيقول Burkett إن الخِلاف ده موجود في  3 مصادِر، مرقس و Q و M، وبيعلَّق عليه بإن معيار الشهادات المُتعدده بيساعدنا نعرَف التقاليد القديمه لكن بيحذرنا بردو من إن ده مش دليل إن يسوع قال الشيء أو إنه حصَل بيقين ولكن إنه كان معروف وسط الجماعات المسيحيّه المُبكِّره لأنه بالتأكيد أسبق على المصادِر التلاته السابِق ذكرها، زي ما قال Stein و Allison. وبيضيف باحثي سمينار يسوع مصدَر رابِع للموقف ده من إنجيل توما 35 و 44 و 99، وبيقولو إن الأقوال اللي متجمعه في مرقس جنب بعضها غالباً كانت متناثره مُنتشره وسط المسيحيين بشكل مُنفصل عن بعضها ومرقُس جمعهم، وبيقول بعد كده في ص51 من كتاب The Five Gospels إن الدليل اللي في مرقس و Q بيبيِّن إن تجميعة الأقوال دي إتشكِّلت في أكثر الفترات المُبكِّره من حركِة يسوع، وبيرجَّحو إن يسوع قال حاجه شبه القول اللي في مرقس 3: 27، النص اللي بيقول: “لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ قَوِيٍّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَوَّلًا، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ”.

بإختصار، كل ما تزايدت المصادِر المُستقله لقول أو حَدَث كان في إحتماليّه أكبر عند المؤرِّخ إن القول أو الحَدَث ده بيرجع لفتره مُبكِّره أكتر. وبالتّالي اللي عليه 4 مصادِر مينفعش يتساوي باللي عليه مصدَر واحد فقط. ولما نوصَل لمُناقشة موضوع الصَّلب في الجُزء اللي جَي، لازم تفتكر سؤال مهم: هو اللي عايز يقول إن الصَّلب محصلش عنده كام مصدَر قديم مُستقِل بيرجَع للزَّمن وللمَنطقه اللي حَصًل فيهم الحدث اللي بنناقشه؟ وبردو بفكرك للمره التالته إن بازيليدس نفسه مأنكرش إن الناس شافت يسوع بيتصلب، هو فقط قال إن اللي هم شافوه ده كان واحد في صورة يسوع، يعني قبولك بطَرح بازيليدس معناه إنكار الحِس (إنكار مصداقيَّة الحواس) اللي هي المعيار الأول والأهم والأكثر موثوقيَّه في الإبستمولوجيا، ولو هاتنكر الحواس ف مفيش شيء تاني صالِح للمعرفه.

 (6) معايير الأصالة: معيار الشّهادات المُتعدِّدة (الجُزء الثَّاني: مَصدَر الآلام قبل مرقس)

“في بداية كتابِهِ الثاني، لخَّص لوقا كتابه الأوَّل وقدَّم لنا مُفتاحاً لقراءته. لم يذكُر لوقا الموت، ولكن ذَكَر فقط حياة يسوع وما ملأها، أي العَمَل والتَّعليم، تحديداً أعمال وتعليم المُعلِّم (ص146) … هذا لا يعني أن موت يسوع غائِب. على النَّقيض، جمِيع المُحاورات في سِفر الأعمال، التي نادَى بها الرُسُل، تُشير إلى هذه النِّهاية المُميتة ]أيّ الصَّليب[، ولكنَّهم لا ينسبونها ليسوع نفسه أو لله. ولا ينسبونها للطَّبيعة أيضاً، ولكن للحِقد الإنسانيّ وحده (أعمال 2: 23، 4: 10، 5: 30، 7: 52). لا شيء –أو تقريباً لا شيء– يُشير إلى أنه هُناك ]لموت يسوع[ قيمة خَلاصِيَّة (ص147) … لا توجَد حَاجَة لذِكرِ صَلبِ يسوع، لأنَّه لم يكُن أحد يُنكِر تِلك الحقيقة الواضِحَة. مِن البداية كان ليسوع الحَقّ في أن ينال مُساندةً إلهية من خلالِ وجود الرُّوح القُدُس، ولكن جائته النهاية، كما هو حال أيّ إنسان، بالألم حتَّى لَفَظَ أنفاسه الأخيرة (ص147).”

François Bovon

New Testament and Christian Apocrypha, Collected Studies II. Edited by Glenn E. Snyder.

بعد ما إتكلِّمنا عن الشَّهادات المُتعدِّده، هانطبَّق المعيار ده على المصادِر المُتاحه. مَبدئياً عندنا شهادتين مُستقلِّين: يوسيفوس وتاسيتوس. ومن دَاخِل دايرة النُّصوص المَسيحيَّه عندنا نصوص قانونيَّه ونصوص غير قانونيَّة. النّصوص القانونيَّه اللي بتذكُر موت يسوع ونقدَر نقول عليها مُستقِلًّه أو مش بالضَّروره مُستقله بالكامل ولكن على الأقل مُستقِلَّه بإحتوائها على مصادِر تانيه في جزئيّة الآلام والصَّلب هي (1) مصدَر الآلام في مرقس و(2) المَصدر L و(3) المَصدر Q و(4) يوحنَّا و(5) بولس و(6) أعمَال الرُسُل و(7) رسالة العبرانيين. ومن المَصَادِر اللي خارِج القانون (8) إنجيل بُطرُس و (9) إنجيل توما. ولكن لاحِظ إن Q و توما مفيهومش تصريح بحدث الصَّلب ولكن في إشارات توحي بإن كاتِب النصّ عارف بالصَّلب، وهانرجعلهم بالتفصيل في الأجزاء اللي جايه.

مبدئيّاً، قبل ما ندخُل في تفاصيل النصوص والمصادِر دي، لازم نفهَم إن كاتبي نصوص العهد الجديد مؤلِّفين composers وكمان بيركِّبو أجزاء من نصوصهم من خلال جمعهم لنصوص أقدم compilers، يعني مش مُجرَّد ناس مسكت قلم وكتبت نصّ من أوله لآخره، لأ دي ناس كان معاها مصادِر قديمه وعالجتها بطريقه أدبيه أوقات على مرحله وأوقات على عدد مراحِل أكبر، أوقات بتعديلات طفيفه وأوقات بتعديلات كبيره جداً، دراسة الموضوع ده شديدة التَّعقيد ومحتاجه تقرا فيها كتير عشان تفهم بيقارنو النصوص إزاي وبيعيدو بناء المصادِر إزاي، وطبعاً مش هاقدر أغطي الموضوع ده في شوية السطور اللي بكتبها دلوقتي، ف تقدر تقول إني بديك الفكره وشوية مصادِر وعليك إنك تعمل مجهود في إنك تقرا أكتر عن اللي بقولهولك. كمثال لكون كاتبني النصوص دي compilers إن متَّى ولوقا إستخدم مرقس، ودي فكره ثابته ومفيش عليها خلاف في الأكاديميا دلوقتي، ونفس الكلام عن Q ولكن بإتفاق أقل.

  • مصدَر الآلام في مرقس

بإعتباره أقدم الأناجيل، بيعلَّق Joel Marcus على وِحدة الآلام في مرقس من إصحاح 14: 1 ل 15: 47 في تفسير Anchor Yale Bible Commentary المُجلَّد التاني ص924 بإن الأناجيل هي “روايات آلام ذات مُقدِّمات طويلة”، وبيدي أمثله بإن إنجيل مرقس مثلاً من بدايته عمال بيقدِّم لفكرة إن يسوع هايموت (مرقس 2: 20، 3: 6، 12: 12) وبيقول إن مرقس على الأرجَح إستخدم مصدَر أقدم وكان مُرتَّب بشكل مُحدَّد، لكن مرقس عمل إضافات وغيَّر بعض التفاصيل عشان تناسب رؤيته وأهدافه. وبالتّالي عندنا مصدَر قبل مرقس إتكلِّم عن آلام يسوع وموته. بيقول Marcus إن “أغلب الدّارسين بالفِعل يعتقدون أن مرقس في تأليفهِ لرواية الآلام يعتَمِدُ على مصدرٍ آقدم من مرقس pre-Markan للآلام تَم تسليمه على مَر الزَّمن في الكنيسة سواءً في صورة شفاهية أو مكتوبة”. نفس الكلام ده بيطرحه Marion Soards في ورقه بعنوان The Question of a Premarcan Passion Narrative (والورقه دي مُلحقه في آخر كتاب Death of the Messiah: From Gethsemany to the Grave ل Raymond Brown ص1492، وبيقول إن الخِلاف ما بين الدّارسين مش كون مرقس إعتمد على حاجه أقدم ولا لأ ولكن كونه إعتمَد على مَصدَر كامل مُتكامل ونقله وِحده واحده ولا تقاليد قديمه مُنفصله وجمَّعها في رواية الآلام. بعد كده بيعمل Soards جدول بيحصُر فيه آراء الباحثين بخصوص المصدَر السَّابِق لمرقس، وهاجمعلك هنا الأسماء عشان لو تحب ترجعلهم وعشان تعرف إن ده مش طَرح فردي ولا فِكره شاذَّه، والآراء اللي هاعرضهالك دي تحديداً عن نَصّ مرقس 15: 24 اللي بيذكُر صَلب يسوع، وبعده هاعرضلك مرقس 15: 37 اللي بيذكُر موت يسوع.

الأسماء اللي جايه دي إعتبرو النصّ مرقس 15: 24 جي من مصدَر قبل مرقس: Anderson و Buckley و Bultmann و Czerski و Dibelius و Dormeyer و Ernst و Johnson و Klostermann و Lane و Lightfoot و Lührmann و Myllykoski و Nineham و Peddinghaus و Pesch و Pryke و Schenk و Schenke و Schille و Schmithals و Schreiber و Schweizer و Scroggs و Taylor. الآراء دي كلّها قالت إن في مصدَر أقدم للنصّ ومرقس إستخدمه، واحد بس منهم قال إن المصدَر ده مصدر مُنفصل عن مصدَر الآلام اللي إستخدمه مرقس (Schille قال إن في مصدرين للآلام عند مرقس)، لكن الأغلبيه قالت إنه كله مصدَر واحد إستخدمه مرقس في الآلام.

الأسماء اللي جايه دي إعتبرو النصّ مرقس 15: 37 جي من مصدَر قبل مرقس: Anderson و Czerski و Dibelius و Dormeyer و Ernst و Grant و Johnson و Lane و Lightfoot و Lohse و Lührmann و Myllykoski و Nineham و Peddinghaus و Pesch و Pryke و Schenk و Schenke و Schille و Schmithals و Schreiber و Schweizer و Scroggs و Taylor. الآراء دي كلّها قالت إن في مصدَر أقدم للنصّ ومرقس إستخدمه، أربعه منهم قالو إن المصدَر ده مصدر مُنفصل عن مصدَر الآلام اللي إستخدمه مرقس (الأربعه دول هم Myllykoski و Schenke و Schille و Schreiber)، لكن الأغلبيه قالت إنه كله مصدَر واحد إستخدمه مرقس في الآلام.

لحد هنا سواء الدارسين قالو إن في مصدر واحد أو أكتر، في كل الأحوال مرقس إعتمد على مصدر للآلام في صَلب يسوع وموته، وبالتَّالي أياً كان تأريخك لمرقس، سواء هاتاخد بتأريخ حد زي James Crossley وترجَّع النصّ لوقت مبكِّر جداً زي سنة 41م أو هاتتبنَّى التأريخ اللي بتتفق عليه أغلبية الدّارسين وهو ما بين 68 ل 70م ف قصّة الآلام والصَّلب والموت سابقه على التاريخ اللي هاتختاره.

في خِتام المُلخَّص اللي عمله Marion Soards بيضرب مثال كويس بيدلل بيه على وجود مصدَر سابِق على مرقس، بيقول “وصف يهوذا في مرقس 14: 43 بكونه “يهوذا، واحد من الإثنى عشر” هو أمرٌ مُلفت. هل القارئ في حاجه لهذه المعلومة؟ لأ! يُقدِّم مرقس يهوذا مرتين (3: 19 و 14: 10)، ولاحقاً في 14: 10 يصِف يهوذا الإسخريوطي كواحد من الإثنى عشر. بالرغم من كونه دقيقاً أن نصف إسلوب مرقس بالتِكرار أحياناً، ليس من المُنصف أن نقول أن إنجيل مرقص مُتصِّف بهكذا تكرار غير ضروري كما في 14: 43. التفسير الذي يشرَح هذا التِّكرار في 14: 43 بأفضل سبيل مُمكن هو أن مرقس يستخدم مصدراً ما. بدون الأجزاء السابقة من إنجيل مرقس، سيحتاج القارئ لتلك المعلومة بخصوص يهوذا. … كلاً من طريقة كتابة إسم يهوذا ووصفهِ في 14: 10 والتِكرار المعلومات عديمة الفائدة في 14: 43 مُرجِّحٌ لكون مرقس يستخدم مصدراً للجُزءِ اللاحِق. … يُمكننا أن نستنتج بإطمئنان أن مرقس يعتمدُ على مصدرٍ في كتابة رواية الآلام، لكننا نعرف المصدَر كما هو في مرقس.” (ص1522) بيكمِّل Soards بعد كده وبيأكِّد على إن وجود المصدَر مش معناه إننا نقدر نفصله بوضوح عن التَّحرير اللي عمله مرقس للنصّ، وإنها مُهمَّه معقده جداً لأننا منعرفش النصّ غير في مرقس وكل اللي باقي منه فقط آثار. اللي يهمنا هنا إن مرقس مش هو مصدَر القصَّه، مألفهاش من عنده، مخترعهاش. هو ناقِل لقصَّه أقدم، ممكن يكون طوَّرها، ممكن يكون ضاف عليها تفاصيل أو أجزاء جَمعها من مصادِر تانيه، لكن قصَّة الآلام وموت يسوع أقدم من مرقس.

(7) أقوال المؤرِّخين في صَلب المسيح: معايير الأصالة: معيار الشَّهادات المُتعدِّدة (الجُزء الثالث: مصدَر الآلام قبل لوقا والأعمال)

“أعتقد أنّه لا حاجة لنا في أنّ نشُكَّ في أنه بإعدام يسوع بالصَّلب الرُّومانيّ قد مات حقَّاً وأن مكان دفنِهِ المؤقَّت قد وُجِدَ فارغاً بعد ذلك بقليل.”

James Tabor

The Jesus Dynasty: The Hidden History of Jesus, His Royal Family, and the Birth of Christianity (p.230)

بعد ما إتكلمنا عن وجود مصدَر للآلام قبل مرقس، هانتكلم عن مصدَر تاني قبل لوقا. بس قبل ما ندخُل في النقطه دي هاضيف حاجه عن متَّى. في إنجيل متَّى مفيش مصدَر للآلام مُنفصل عن اللي خده متَّى من مرقس، لكن في فقره واحده علَّق عليها الدّارسين بإن فيها مصدَر تاني لا هو من مرقس ولا هو من تحرير متَّى بالكامل، وهي الفقره اللي بيقول فيها متَّى “وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ”. بيقول Ulrich Luz و Helmut Koester في تفسير Hermeneia: Matthew 21-28: A commentary. Translation of: Das Evangelium nach Matthaus.; Vol. 3 إن مصدر الفقره من 27: 51 ب (يعني من النص التاني من 51) لحد 27: 35 محَل خِلاف حوالين هل هي من تحرير متّى بالكامل ولا من مصدَر من قبل متَّى. وبيقول Luz بعد كده إن رأيه إن الفقرات دي مش من متَّى و إحصائياً مش باين فيها إسلوبه في التَّحرير وإننا قدام مصدَر أقدم من متَّى ومش جَي من مرقس، سواء كان تقليد شفوي أو حاجه من مُجتمع مسيحي يهودي مُبكِّر. طبعاً ده مش معناه إن الحَدَث حَصَل، ولكن معناه إننا عندنا مجتمعات تانيه غير اللي جالنا منها إنجيل مرقس عارفه بموت يسوع وبدأت تروي عجائب حصلت وقت موته. في تفسير تاني للنقطه دي وهو إن متَّى أخد ترتيله يهوديَّه مبنيَّه على حزقيال 37: 1-14 وبدأ يسردها كعلامه كونيَّه لموت يسوع، زيّ ما بيقول D. Senior في ورقه بعنوان SENIOR, D. (1987). Matthew’s Special Material in the Passion Story، وبالمُناسبه بينتقد فيها فكرة وجود مصادِر مسيحيه أقدَم عند متَّى في أحداث الآلام. أوقات كتير هاتلاقيني بعرضلك الحاجه وتعليق بينتقدها عشان بردو تبقا عارف إيه النقاشات اللي دارت حوالين أطروحات المصادِر عند الدَّارسين. قضيَّة مصادِر متَّى (وجود مصادِر غير مرقس) مش قويَّه في المُجمل، عشان كده مخصصتلهاش فَقره كامله لوحدها.

بالنسبه للمصدَر L في لوقا، في رسالة دكتوراه كامله عن مصدَر لرواية الآلام موجود في لوقا 22 ل Marion Soards بعنوان The Passion According to Luke: The Special Material of Luke 22، في ص15 من الكتاب بيقول Soards إن باحثين زي Vincent Taylor شايفين إن النصوص ما بين 23: 27-34 أ (يعني الجُزء الأول من النص 34) تعتبر من المصدَر L اللي إستخدمه لوقا بالإضافه لمصدره الأساسي مرقس، ودي بتذكر الصَّلب صراحةً. وبيقول في مُلحق في آخر الكتاب إن المنهجيه اللي إتبعها في تحليل لوقا 22 ممكن تتطبق على لوقا 23 وبيقول إن في عدد كبير من النصوص اللي تعتبر من ضمن الماده الخاصّه للوقا في إصحاح 23 أو اللي بتتسمى المصدر L. بما إن تركيزنا الأساسي على الصَّلب والموت، ف هانروح للوقا 23 وهانلاقي إستكمال للمصدر L في تعليقات Joseph Fitzmyer في تفسير بعنوان The Gospel according to Luke X-XXIV: Introduction, translation, and notes (1500). New Haven; London: Yale University Press وتحديداً في الصفحه 1500. بيقول Fitzmyer إن لوقا بيمدِج معلوماته اللي خدها من مرقس مع معلومات من مصدَر L، وبيقول إن في تحليله لوقا بيتبَع نفس ترتيب متَّى لكن بيضيف عليه تفاصيل واخدها من L، بحيث يكون مرقس هو الإطار الأساسي، و L هو المصدَر الإضافي. مثلاً بيقول إن الفقرات 35 ب (الجُزء التاني منها) و36 و 37 من المصدَر L. الفقرات دي بتقول “خَلَّصَ آخَرِينَ، فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللهِ! وَالْجُنْدُ أَيْضًا اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلاُ، قَائِلِينَ: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مَلِكَ الْيَهُودِ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ!”. ونفس الكلام بيقوله عن 23: 43 “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ».” ورأيه هنا إن الجُزء ده من L بردو بناءاً على إختلافه عن إستخدام لوقا في خَمس مواضِع تانيه إستخدم فيهم “الحَقّ أقول لكم” بالجَمع لكن في النقطه دي إستخدمها بالمُفرد. الحقيقه النقطه دي ضعيفه وممكن تفسيرها عادي بالسِّياق، هنا هو بيكلِّم واحد بس لكن في الخمس مواضِع التّانيه بيكلم التلاميذ ف بيكلِّمهم بالجَمع، ف في رأيي الجُزئيّه التانيه بخصوص 23: 43 مش دليل على وجود مصدَر مُختلف. لكن في المُجمل في روايه للآلام قبل لوقا، وبتغطي جُزء القبض على يسوع وده الجُزء اللي إشتغل عليه Soards لحد موته وده الجُزء اللي شرحه Fitzmyer.

في كتاب The Cross that Spoke ص240، بيناقش John Dominic Crossan نصّ سفر الأعمال 13: 27-29 اللي بيقول “لأَنَّ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ وَرُؤَسَاءَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا هذَا. وَأَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي تُقْرَأُ كُلَّ سَبْتٍ تَمَّمُوهَا، إِذْ حَكَمُوا عَلَيْهِ. وَمَعْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْمَوْتِ طَلَبُوا مِنْ بِيلاَطُسَ أَنْ يُقْتَلَ. وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ، أَنْزَلُوهُ عَنِ الْخَشَبَةِ وَوَضَعُوهُ فِي قَبْرٍ.” النص ده غريب لأنّه بيقول إن اليهود هم اللي نزِّلو يسوع من على الصَّليب وهم اللي دفنوه. Crossan بيستنتج هنا إن في صيغه قديمه ورا النصّ ده، قصَّه أقدم بتحكي إن اللي إستلم جَسَد يسوع ودفنه هم نفسهم اللي حكمو عليه وصلبوه، أو زي ما بيسميه “دُفن بيدِ أعداؤه”. في ناس كتير شايفه إن التفسير ده مش صحيح، زي مثلاً Hans Conzelmann و Craig Keener و كمان Ernest Haenchen اللي Crossan بيناقش بيعرض ردُّه في الكتاب. التلاته خُلاصة رأيهم إن الصيغه اللي في الأعمال صيغه كرازيَّه ومُختصره للغايه. بس Crossan بيطرح سؤال مُهم ومعتقدش إن له إجابه واضحه، لو الموضوع مُجرَّد إختصار، ليه بولس في سفر الأعمال مقالهاش بالمبني للمجهول زي ما قالها في كورنثوس الأولى 15: 4 بدل ما يستخدم صِيغه بتوصَّل معلومه غلط تماماً! وبعد كده بيختتم كلامه وبيقول إنه على الأقل من المُمكن إن يكون النصّ بيعكس صيغه إيمانيَّه أقدم حطها لوقا على لسان بولس في الأعمال.

كمان Joseph Fitzmyer بيلاحظ نفس المُلاحظه في تفسيره وبيقول إن في الإناجيل الأشخاص اللي منسوبلهم صَلب يسوع مش هم اللي بينزلو جسده من على الصليب (ص515)، بس مش بيعلَّق أكتر من كده ومبيحلِّش الموضوع، بيكتفي بس بذِكر إن ده يختلف عن التقاليد اللي في الأناجيل. كروسان كمان بيربط النصّ ده بإنجيل بطرس، اللي لسه هانجيله قدام، لأن إنجيل بطرس بردو بيقول إن اللي دفن يسوع هم أعداؤه كإطاعه للوصيَّه اللي في تثنيه 21: 22-23، وبالتَّالي في رأيي لو إنجيل بطرس مش مُعتمِد على الأناجيل التَّانيه، ولو النصّ اللي في أعمال الرسل قديم فعلاً، ف إحنا قدام شهاده أقدم بكتير حتى من مصدَر الآلام اللي في مرقس، شهاده يمكن تكون بترجَع لزمن الحَدَث نفسه قبل حتى ظهور قصة يوسف الرَّامي في الأوساط المسيحيَّه. طبعاً الموضوع مُركَّب ومُعقَّد والخِلاف حوالين إنجيل بطرس كبير وفي نقاش حوالين عدد طبقاته وما إذا كان فيه طبقه أقدم وتم إضافة عليها طبقه أحدث متأثره بالأناجيل القانونيه بيظهر فيها يوسف الرامي. بس عامةً يظل سؤال Crossan منطقي جداً، ليه لو كاتب الأعمال عايز يختصر عِظة بولس يختصرها بشكل مُخِل وخاطيء بدل ما يختزلها بإستخدام المبني للمجهول؟

(8) أقوال المؤرِّخين في صَلب المسيح: معايير الأصالة: معيار الشَّهادات المُتعدِّدة (الجُزء الرَّابِع: أخبَار الصَّلب في Q و توما)

“الحقيقة الوحِيدة اليقينية بخصوص حياة يسوع هي موته! لقد أُعدِمَ بواسطة الوالي الروماني بيلاطس، في يوم أو بمقربة من يوم الفِصح، بطريقة أبقت روما عليها فقط للثَّائرين السياسيين، أي الصَّلب.”

Paula Fredriksen

Jesus of Nazareth, King of the Jews: A Jewish Life and the Emergence of Christianity (2000, p.8)

كمقدمه سريعه لإنجيل الأقوال Q، نقدر نقول إنه مصدَر قديم إستخدمه متَّى ولوقا (بجانِب إستخدامهم لنُسختين من مرقس وعلى الأرجَح نُستختين مُختلفتين من مرقس زي ما بيرجَّح Delbert Burkett في كتاب Rethinking the Gospel Sources: From Proto-Mark to Mark). طب ليه ميكونش لوقا إستخدم متَّى على إعتبار إن متَّى أقدم وبيرجَع لتمانينات القرن الأول ويُرجَّح إن لوقا بعده بحوالي 10 سنين؟ السَّبب هو إن نُسَخ الأقوال في لوقا أقَل تطوُّراً من نفس الأقوال في متَّى، وكمان مفيش مُبرِّر لحذف الأقوال اللي موجوده في متَّى ومش في لوقا، وكمان إختلاف النصِّين تماماً في تفاصيل حياة يسوع قبل المعموديَّه وبعد القيامة، يعني من الآخِر، زي ما بيقول الدَّارسين، متَّى ولوقا بيبدأ إتفاقهم من مكان ما مرقس بيبتدي وبيختلفو تماماً من بعد النقطه اللي بينتهي عندها مرقس، وكأن مرقس هو الشيء المُشترك اللي بيربط القصص بتاعت الإتنين. وكمان لو شوفت إستخدام لوقا لمرقس وإستخدام متّى لمرقس هاتلاقي لوقا تعديلاته في نصوص مرقس أقل من تعديلات متّى في نصوص مرقس، يعني من المُلاحظ بشكل عام إن لوقا بيتعامِل مع مصادره بشكل فيه حُريَّه أقل وتعديلات أقل من متَّى (عشان كده ترقيم نصوص Q ماشي بترقيم إصحاحات وفقرات لوقا مش متَّى). وكمان عشان تقول إن لوقا إستخدم متَّى محتاج تقول إن لوقا خد نصوص متَّى وشال منها كل علامات تحرير متَّى وبعد كده حرَّرها هو بإسلوبه تاني، وده شيء شديد التَّعقيد، وكل النُقَط اللي قولناها لحد هِنا مُقنعه لقطاع عريض من الباحثين بخصوص وجود مصدَر للأقوال متّى ولوقا إستخدموه من غير ما كل واحد منهم يعرَف النصّ بتاع الكاتِب التاني. كمان فكرة إستخدام مصادِر مُتعدده فكره معروفه في العالم القديم، عندنا مَثلاً Arrian اللي كتب سيرة الإسكندر المقدوني، بردو إستخدم مجموعة مصادِر، وبالتّالي الإفتراض متوافق مع السِّياق التاريخي واللي نعرفه عن تأليف السِّيَر biographies في العالم القديم. بيقول مثلاً Arrian “أينما ذكر بطليموس بن لاجوس و أريستوبولوس بن أريستوبولوس نفس المعلومة عن الإسكندر بن فيليب فطريقتي هي تسجيل ما يقولاه كحقيقة، لكن متى إختلفا إختار النُسخة التي أراها أكثر أهلاً للثقة و أكثر إستحقاقاً للرّواية” (هاتلاقي الكلام ده في كتاب R. A. Derrenbacker Jr. في كتاب Ancient Compositional Practices and the Synoptic Problem ص56). ممكن تشوف أمثله لفقرات Q في مقال “المُشكلة الإزائيّة”، ودي فقره من المقال:

“بالرّغم من أن المصدر Q يحتوي على مادّة مُعاد بناءها من متّى ولوقا، وبالتّالي لا يُضيف أقوالاً جديدة ليسوع، إلّا أن أهميّة المصدر تكمُن في كونه كوحدة واحدة يُمثّل نافذة على مُجتمع مسيحي أقدم من مُجتمع متّى ولوقا. الجدير بالذّكر أيضاً أن Q يضُمّ مجموعة أقوال حُرّة من السياق، ظهر بعضها موضوعاً في سياق مرقس (النّصوص المُشتركة بين مرقس و Q تُسمّى overlaps) والبعض الآخَر في سياق متّى و (أو) سياق لوقا. قارِن سياق متّى (14: 15) مع لوقا (6: 39)، في متّى قالها يسوع عن الفرّيسيين، وفي لوقا جائت في سياق مُختلف تماماً كوصيّة للكمال، إتبع الكامل تكُن كاملاً وإتبع الأعمى تسقُط معه في حُفرة. ما حدث هنا هو أن متّى ولوقا وجدا قولاً وتبنّاه كلّ منهم في سياق مُختلف، وتُعتبر تِلك الأمثلة من المفاتيح المُهمّة في نقد إعتماد لوقا على متّى، فإن أخذ لوقا النصّ من متّى فلماذا يُسقط سياق النصّ في متّى ويُعيد وضع النصّ في سياق أخر؟. … لذا فدراسة أقوال يسوع في ضوء نظرية المصدرين قد يفتح باباً لإعادة قراءة الأقوال في بشارتي متّى و لوقا لا كنصوص فسّرها يسوع بل كنصوص تناقلتها الجماعة الأولى كأقوال حِكمة تمَّ تقنينها لاحقاً بتضمينها في نصوص لتحديد معناها. تُتيح تِلك القراءة مجالاً أوسع للإلمام بطبيعة أقوال يسوع في المُجتمعات الأولى وكيفيّة تناقُلها ومُحاولات تفسيرها في سياق مرقس ومتّى ولوقا وإنجيل توما وصولاً لكتابات الآباء الرّسوليين وحتّى إستقرار نصّ العهد الجديد.”

كان في مُشكله واحد مُتبقيه في موضوع المصدَر ده وهو إن معندناش أي نوع أدبي genre في العالم القديم مُكوَّن من أقوال بس. وكان ده حُجَّه قويَّه لحد ما تَم إكتشاف مخطوط يوناني إسمه Oxyrhynchus 655 لإنجيل توما ومخطوطات نَجع حمادي اللي كان فيها مخطوطه كامله أكتر من اليوناني لنفس الإنجيل، وهو عباره عن 114 قَول ليسوع، مالهومش سيِاق قَصَصي، وكلهم حوار ما بين يسوع وتلاميذه بحيث بيقول حاجه وبيردو عليه وبيشرحلهم أو بيسألوه وبيرد عليهم. موضوع إنجيل توما كان فيه حاجتين مُهمين، أولاً لقينا نصّ قديم فيه أقوال بس، وبكده مُشكلة النوع الأدبي إتحلت. النقطه التانيه إن إنجيل توما طلع فيه مجموعه من الأقوال المُشتركه بين متَّى ولوقا، وبالتّالي إحنا مش بس لقينا نصّ فيه أقوال، ده إحنا لقينا نصّ شَبَه Q تحديداً، وقد يكون بيشترك معاه في المصدَر (يعني Q و توما مبنيين على نَفس مجموعة الأقوال اللي كانت في مصدَر أقدم) أو واحد منهم مُعتمد على التاني، يعني إما توما شاهِد لنصّ Q أو Q شاهِد لنصّ لمرحله مُبكِّره من تكوين إنجيل توما. طبعاً إنجيل توما كان وسط نصوص غنوسيه، ف هو فيه أقوال مصبوغه بصبغه غنوسيّه، وغالباً مكوَّن من عدد من الطبقات والتعديلات اللي حصلت على الأقوال منها إضافات تفسيره بتفسَّر أقوال يسوع في ضوء النظريّه الغنوسيه. في نُقطه تالته مُهمه وهي إن الأقوال المُشتركه ما بين Q و توما موجوده في سياقات مُختلفه ما بين الأناجيل التلاته، وده معناه إن الأقوال دي كانت مُنتشره بِلا سياق وكل واحد كان بياخدها يحطها في سِياق ومَوقف مُختلف.

في باحثين بيأرَّخو ظهور Q لوقت مُبكِّر جداً زي تلاتينات القَرن الأوَّل، مُجرَّد سنوات قليله جداً بعد موت يسوع (زي Dale C. Allison في كتاب James D. G. Dunn بعنوان Jesus Remembered ص159) وبيقول إنه أخد صورته النهائيه في الأربعينات أو الخمسيات. وناس تانيه بتأرَّخه كله ما بين الأربعينات والخمسينات من القَرن الأوَّل (زي ما بيقول Robert L. Webb في كتاب Key Events in the Life of the Historical Jesus ص674) و Crossan اللي بيرجَّع أقدم طبقات Q للخمسينات و Helmut Koester بيرجعهم للفتره ما بين سنة 40 و سنة 50 (هاتلاقي الكلام ده في كتاب James D. G. Dunn بعنوان Jesus Remembered ص60)، و James Dunn نفسه بيميل لكون Q نّص شفوي (عمل كتاب كامل عن الموضوع إسمه The Oral Gospel Tradition) ظَهَر في الجَليل (وقال إن أقوى إستدلالات في الموضوع كانت ل Gerd Theissen، قال ده في Jesus Remembered ص159). على كل حال، الأغلبيه اللي بترجَّح وجود Q بيميلو إنه نَص مكتوب مش شفوي، وتقدَر ترجَع لإستدلالات Derrenbacker في الكتاب السابِق ذكره وكمان كتُب John S. Kloppenborg بعنوان Q The Earliest Gospel و Excavating Q.

طبعاً في باحثين بيقولو إن مفيش Q وإن إنجيل توما نصّ متأخَّر مُعتَمِد على الأناجيل الإزائية. أنا شخصياً بميل لوجود Q (مع وجود صعوبات في إعادة بناءه بشكل دقيق) وأعتقد إن إنجيل توما من كذا مرحله بحيث إن فيه نصوص قديمه فعلاً مش من الأناجيل الإزائيَّه لكن حَصَل عليه تعديلات في المُجتمعات الغنوسية وبالتَّالي صورته النهائيّه متأخَّره لكن ال core قديم. هانبقا نرجَع تاني للمواضيع دي بتفاصيل أكتر، بس مبدئيّاً هانقول إن توما بيرجَع للقرن الأوَّل في الطبقه الأولى منه من غير ما ندخل في تفاصيل الآراء المُختلفه ومن غير ما نتبنَّى تأريخ مُبكِّر أوي لنصوصه (عندك مثلاً April DeConick بترجَّع طبقاته الأولى لما بين سنة 30 و 50 من القرن الأول وتحديداً في أورشليم، راجِع مقال Webb في الكتاب سابِق الذِكر ص676، وكمان Crossan و Koester و Peterson عندهم تأريخات مُبكِّره). عشان نختصر الجُزء ده خلينا نروح لرأي Uwe-Karsten Plisch و Gesine Schenke Robinson في مقدمة كتاب The Gospel of Thomas: Original Text with Commentary، بيقولو في المقدمه إن الأقوال اللي في إنجيل توما بعضها أقدم وبعضها لاحِق على الأناجيل الإزائيَّه، وبعضها مُستقِل تماماً عنها، وإفتكر المُقدمه دي عشان هانرجعلها لما نتكلم عن القول رقم 55 في إنجيل توما.

بالنِّسبه للصَّلب ف من المُتَّفق عليه إن Q كله أقوال ومفيهوش أحداث بإستثناء المعموديّه والتجربه، ومفيهوش أيّ شيء من أحداث الصَّلب. لكن في قَول في Q نقدَر نشوف فيه إن الجماعه اللي أنتجت النصّ ده كانت عارفه الصَّلب، القول هو 14: 27 (وإفتكر إننا إتفقنا إن ترقيم Q ماشي بترقيم لوقا). في القول ده يسوع بيقول “وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا”. طبعاً من الواضِح هنا إن يسوع بيقدِّم نفسه بإعتباره المَثَل الأعلى اللي لازم المؤمن يَتبعه ويمُر بنفس مُعاناته عشان يتَتَلمذ ليسوع. ده واحد من ضمن نصوص كتير بتتكلم عن الآلام والمُعاناه اللي هايوجهها المؤمن بيسوع، لكن إختيار النصّ ده تحديداً لأنه بيتكِّلم عن الصَّليب. سواء هاتعتبر النصّ ده راجِع ليسوع فِعلاً أو منسوب ليسوع في وقت مُبكِّر جداً زي الأربعينات أو الخمسينات من القرن الأوَّل، ف بالتّأكيد المُجتمع اللي تداول النصّ ده كان عارف بصلب يسوع، ونضيف ده لمكان Q اللي يتَّفق أغلب الدّارسين زي Dunn و Kloppenborg و Theissen على كونه إتكتب في وسط مُجتمع مسيحي في الجليل، يبقا عندنا معلومه مُبكِّره بترجَع لمكان حياة يسوع وبتقولنا خَبَر موته بيقين.

أما في إنجيل توما، وتحديداً الجُزء التاني من القَول رقم 55 بيقول “ومَن لا يَكره إخوته وأخواته ويحمل صليبه كما أفعل أنا لا يستحقَّني”. في نصوص تانيه في إنجيل توما بردو بتتكلِّم عن موت يسوع، زي مثلاً رقم 12 و 65، لكن النصّ 55 بيتكّلِّم تحديداً عن الصَّليب. بيقول Uwe-Karsten Plisch و Gesine Schenke Robinson في كتاب The Gospel of Thomas: Original Text with Commentary في تعليقهم على القول 55 إن الجُزئين اللي في القول 55 في إنجيل توما مينفعش نعتبرهم ببساطه مُجرَّد تجميع من القولين اللي في الأناجيل الإزائيَّه، وبيستدلو بإن في القولين دول في علامات تحرير باينه من إسلوب متَّى ولوقا وغايبه في توما، وده معناه إن القَول في توما في صورَه أبسط (وبالتَّالي أقدم!). وبيعلقو كمان بإن عدم إهتمام إنجيل توما بموت يسوع ومع ذلك ذِكره لعبارة “كما أفعل أنا” مُرجِّح لكون العباره دي كانت في المصدَر القديم اللي إستخدمه يعني مش إضافه في الطبقات اللاحقه. لما تحط الكلام ده جنب اللي قالوه في المقدمه، هاتلاقي إن كده القَول ده مجاش من الأناجيل الإزائيَّه، وبالتَّالي بيقدم شهاده قديمه من القرن الأول، من إمتا بالظبط منقدرش نحدد، بس نقدر نقول إنها لما تتحط جنب شهادة Q هانلاقي إن خبَر موت يسوع كان معروف من قبل الأناجيل على إعتبار إن Q أقدم وعلى إعتبار إن الطبقه اللي منها القول في توما قبل تأثر النَص بقراءات الأناجيل التانيه متَّى ولوقا.

 

 

Similar Posts

2 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *