JS1

في مرصدنا يسوعي (2) حوار مع مدير مرصد الفاتيكان

Untitled e1765149473560
Thomas Nabil
+ مقالات

PhD student in Mathematical Cosmology at the University of Otago, New Zealand. Master in Theoretical Physics from the University of Bologna, Italy. His research interests include Relativistic Cosmology, as well as the Philosophy of Physics

ده الجزء التاني من سلسلة “في مرصدنا يسوعي؟!”، وهو عبارة عن حوار اجريته مع الأخ جاي كونسلمانيو اليسوعي (Guy Consolmagno SJ)، المدير الحالي لمرصد الفاتيكان. الحوار اتناول نقطتين اساسيتين: مكانة ودور المرصد الحالي جوه الكنيسة الكاتوليكية، ورأيه فيما يخص العلاقة بين الدين والعلم، خاصةً بإعتباره مدير مؤسسة زي المرصد.

حضرتك ذكرت في الجولة اللي قمنا بيها الأسباب التاريخية والسياسية لتأسيس البابا ليو ال13 المرصد في 1891م. لكن، هل كانت في أسباب معينة خلّت الكنيسة تختار وقتها علم الفلك تحديداً، في مقابل مجالات علمية تانية زي الكيمياء أو الفيزياء؟

أحد الأسباب لاختيار علم الفلك هو لأنه واحد من الطرق الأكثر سهولة ومرئية اللي بيها الكنيسة تقدر توري العالم انها مهتمة بالعلوم. حاجة كمان هي المساحة الصغيرة اللي ممكن استغلالها جوه الفاتيكان. فعلى عكس مؤسسات تانية، احنا المساحة عندنا صغيرة انها تحوي معمل كبير من معامل الفيزياء او الكيمياء. سبب تاني هو إن جهود الأب سيكّي (Fr. Secchi) في مجال الفلك أسست بالفعل لسمعة الكنيسة القوية في المجال ده، ومش اي مجال تاني.

احد الحاجات اللطيفة لوجود المرصد هنا هو ان الناس دايماً بتربط بين النظر فوق للسما وانها تسأل اسئلة الحياة الكبيرة: هو أنا مين؟ ايه مكاني في الكون الفسيح ده؟ بالتالي، بنلاقي فيه علاقة طبيعية بين تأمل علمي بخصوص أنا مين، وتأمل ديني بخصوص أنا مين. كل واحد من السؤالين دول ملوش اجابة!

نقطة كمان لطيفة بخصوص علم الفلك هو انه المبحث العلمي الوحيد الليّ، حتى اللحظة دي على الأقل، مش ممكن تجني ربح من وراه. نتيجة لكده، هدف الكنيسة من المسعى ده مش هو البيزنس، وبالتالي الكنيسة مش بتنافس أي شركات أو مؤسسات تانية، وده يرجعنا تاني للهدف الرئيسي للكنيسة، وهو العلم من أجل العلم.

بس احنا لسه برده مجاوبناش السؤال الكبير الأساسي. ليه الكنيسة عندها المرصد ده، بعيداً عن الأسباب السياسية؟ مش غريبة شوية إن نفس الكنيسة اللي اضطهدت جاليليو عشان الدراسات الفلكية اللي كان بيجريها هيا نفسها دلوقتي مهتمة بالفلك؟

كلاً من المسيحية والإسلام اتولد من رحم اليهودية، وبالتالي كلنا بنتشارك في سفر التكوين. سفر التكوين مفروض يتقري باعتباره نص ديني مش علمي. لو سفر التكوين كان جواه الله بيخلق الكون عن طريق الانفجار العظيم، كان الناس من 100 مش هيعرفوا هو النص بيتكلم عن ايه، والناس 100 سنة من دلوقتي كانوا هيقولوا: بصوا النص ده! ده كتابته بدائية جدا!

نتيجة لكده، مينفعش تاخد حقائق علمية من النص الكتابي. اللي نقدر نتعلمه هو حقائق ازلية عن مين هو الله في عملية الخلق. اللي بنلاقيه في الكتاب المقدس إن الله موجود بالفعل قبل الطبيعة. بالتالي، الله ليس جزءاً من الطبيعة، لكنه ماوراء الطبيعي. بنلاقي في النص إن الخلق بيحدث لأن دي كانت إرادة الله،  وكمان بنلاقي انه بيحدث بطريقة منطقية بتتابع النهار والليل. في الاخر خالص بنقرا إن الخليقة حسنة. كنتيجة لكده، بنلاقي ان دراسة الخليقة شيء مُستحب لأنها طريقة نقدر نعرف بيها الخالق. ده يوريك ازاي كانت الكنيسة بتشجع دايماً ممارسة العلم. الجامعات اللي كانت بتديريها الكنيسة كانت فيها دراسة الفلك من الموضوعات اللي الشخص لازم يعرفها قبل ما يدرس فلسفة أو لاهوت.

بمناسبة جاليليو، مسألتش نفسك ليه الكنيسة كانت مهتمة باللي قاله؟ ببساطة لأنها كانت مهتمة بكيفية عمل الكون كوسيلة لانعكاس الخالق. لما تبص على محاكمة جاليليو، هتلاقي انه اشتغل 20 سنة بتشجيع من الكنيسة، لحد ما فجأة اتوضع للمحاكمة. لما تقرأ المحاكمة، هتلاقي إن مفيش أي ذكر للعلم على الاطلاق. في الواقع، الحكم ضد جاليليو كان انه مذنب باشتباه هرطقة، لكنهم مبيذكروش ابداً ايه ممكن تكون الهرطقة من وجهة نظرهم! لما تتعمق اكتر واكتر في المحاكمة، بتدرك إن جاليليو متحاكمش لأجل العلم. قد تكون الأسباب سياسية. قد تكون الأسباب ليها علاقة بذروة حرب ال 30 سنة، وأن البابا كان تحت ضغط سياسي كبير. قد تكون الأسباب دي كلها مع بعض. احنا منعرفش! لكن اكيد دي مكانتش قضية للكنيسة ضد العلم لأن في نفس الوقت ده تقدر تلاقي أشخاص من الكنيسة كانوا علماء وكانوا داعمين للعلم، على سبيل المثال عندنا روجر بوزوفيتش اليسوعي (Roger Boscovich SJ)، واللي وضع نظرية للذرة. مش بس كده، علماء كتير من اللي نعرفهم، على سبيل المثال فولتا (Volta) صاحب اختراع البطارية و أمبير (Ampère) العالم الفرنسي الكبير، كانو كاتوليك متدينين.

نتيجة لكده، فكرة ان الكنيسة عايزة تقمع العلم دي فكرة مجنونة! لكن فكرة ان الكنيسة حابة تشجع العلم مش بس ليها علاقة بالظرف السياسي لتأسيس المرصد، لكن كمان ليها تقليد طويل للكنيسة مُشجعة لدراسة العالَم المادي لأننا فيه نقدر نشوف ازاي الله بيخلق. هو ده السبب اللي عشانه عندنا المرصد.

باعتبارك المدير، ازاي ممكن توصف الدور الحالي للمرصد في الكنيسة الكاتوليكية؟ هل هو مجرد مؤسسة برّاقة؟

مكانة المرصد اتغيرت بشكل كبير مع الوقت لما نبص على اللي الباباوات كتبوه عنه. مع تأسيسه، البابا ليو ال13 كان شايف المرصد بكونه تعبير عن العلاقات الدولية. لكن بعد كده، مع قدوم البابا بيوس ال11 وبيوس ال12 في منتصف القرن العشرين، الأمور اختلفت شوية بما انهم كانوا داعمين كبار للمرصد وأنشطته. كل بابا منهم كان شايف علم الفلك باعتباره وسيلة رائعة للتعرف على الله، وكمصدر إلهام للإنسان انه يصلّي.

الباباوات يوحنا بولس التاني، بندكتوس ال16 وفرنسيس شافوا العلم والفلك باعتبارهم مكافئ للاهوت. بمعنى آخر، باعتبارهم نتائج ممكن تحسّن اللاهوت بتاعنا وتقولنا حاجة عن الله الخالق. في الواقع، البابا يوحنا بولس التاني كتب قبل كده

“بإمكان العلم أن يبقى اللاهوت بعيداً عن الخرافة، وبإمكان اللاهوت والدين أن يبقيا العلم بعيداً عن الإحساس الزائف بالمُطلقية”

بالتالي، من هنا نفهم إن المرصد مش مجرد مؤسسة برّاقة! لكنه بيدعم الحوار بين الدين والعلم بحيث كل مجال تكون ليه استقلاليته وحريته ان يستكشف ويرتكب اخطاء. بردو، كما هو الحال مع أي حوار، فالمؤسسة هنا ليها تأثير في تشكيل الاسئلة اللي كل جانب بيطرحها، وكمان بتساعد في انها تكون أكتر عمقاً وإثارةً للاهتمام، وده بيحصل في كلا الاتجاهين. بمعنى اخر، العلم ممكن يُسهم في الدين، والدين في العلم، لكن مش عن طريق ان واحد منهم عنده اجابات لاسئلة التاني، لأن النقطة الأساسية مش في الاجابات! لكن في احنا ليه بنسأل الاسئلة دي، وايه اللي بندور عليه لما بنسألها. بالتالي، ده تأثير مشترك بين الدين والعلم.

بتصنف ارائك ازاي بخصوص العلاقة بين الدين والعلم بين نقيضي العلموية والأصولية الكتابية؟

في احد كتابات القديس أغسطينوس بخصوص التفسير الحرفي لسفر التكوين حوالي سنة 300م، بنلاقيه بيجادل انها فضيحة لما الواحد يحاول يفنّد احسن ما توصل إليه العلم في زمانه بناءً على قرايات الناس في سفر التكوين، بما انهم كده بينزعوا الثقة عن الدروس الحقيقية للأسفار لما يحاولوا يجبروها انها تتماشى مع أفكارهم. بالتالي، رغم إن الأصولية الكتابية ظاهرة حديثة، لكن الاغراء اللي ورا الفكرة كان دايماً موجود. الاغراء ده ليه علاقة باللي الفلاسفة بيسمّوه الغنوصية (أو المعرفة السرّية): فكرة اني انا اعرف حاجة انت متعرفهاش، وده يخليني افضل واذكى منك. رغم إن الفكرة دي بترجع للقرن الأول الميلادي، لكنها نفس الشيء اللي بيدفع الناس دلوقتي على الانترنت انهم يتجادلوا بخصوص فائدة التطعيمات أو إن الأرض مسطحة. مفيش حاجة جديدة هنا!

العنصر الأساسي للرؤية دي عشان تنجح هو إدراك اني انا معنديش كل الاجابات. خلينا متفقين ان لو العلم عنده كل الاجابات، مكنش هايبقى منطقي ان الواحد يشتغل في العلم. مكنش هايبقى فيه بحث علمي اصلاً! ولو كان الدين بتاعي عنده كل الاجابات، كان برده هايبقى ميت، وهيتم اختزاله لمجرد اتبّاع مجموعة من القواعد. القواعد في الدين موجودة مش عشان تكون النهاية، لكن عشان تكون البداية. بصفتى عالِم، فأنا دايماً بحاول إني احسّن فهمي لقوانين الطبيعة. بردو، بالنسبة لإيماني، مفيش حاجة اتعلمتها وانا عندي 5 سنين كانت غلط. ببساطة، مكنتش قادر افهمها بنفس الطريقة اللي فهمتها كشاب كبير. بالتالي، أهم شيء بالنسبالنا اننا نكون محبّين لله ولخليقته، وأننا دايما نكون مستعدين اننا نتعلم حاجات جديدة.

JS2

كتابك الأخير جه بعنوان “إيجاد الله في الكون” (Finding God in the Universe). بالتالي، هل لازم دايماً ان أي عالِم مجتهد في شغله يلاقي الله في الكون؟

إجابتي، واللي ممكن تكون مفاجأة شوية، هي ايوه! حتى العلماء اللي بيصنفوا نفسهم ملحدين بيلاقوا الله في الكون. أي عالِم حقيقي هيكون دايماً مُحب للحقيقة. بالنسباله، الحقيقة أهم بكتير من الوظيفة لأنه لو بيشتغل في العلم عشان الفلوس، فقريب هيقع في مشكلة كبيرة وهيسأل نفسه ايه اللي أنا بعمله في حياته. صدقني، أنا مريت بالمرحلة دي.

الحقيقة مجردة. هي شيء خارج نفسك، ولا يمكن انك تلمسه. وبرغم كده، انت لسه مصدق انها موجودة. في الواقع، كل المواصفات لإيه هي الحقيقة بتتفق مع مواصفات مين هو الله. نتيجة لكده، كل عالِم مكرس نفسه للحقيقة هو بشكل ما بيوفّي نوع من الندر الرهباني، حتى لو بيغضب لما حد يوصفه بإنه شخص ديني. في النهاية، أحب اقول ان لو انت بتشتغل في العلم من أجل المكانة أو الفلوس، فإنت مش عالِم جيد. علشان السبب ده، بيتم اختيار أعضاء من المرصد في هيئات علمية وفلكّية عديدة عشان يشاركوا في قرار انهي واحد من مجموعة مشروعات علمية يستاهل التمويل ببساطة لأنهم بيتشافوا بكونهم مستقلّين، بالتالي معندهمش أي تحيزات سابقة أنهم يدعموا مشروع بذاته. عشان كده، هما بمثابة تذكير لزملائهم التانيين في المجال ازاي يكونوا مثال لطلب العلم مش من اجل المال، لكن من اجل محبة المعرفة المجردة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *