في مرصدنا يسوعي – مرصد الفاتيكان بين الماضي والحاضر

Thomas Nabil
PhD student in Mathematical Cosmology at the University of Otago, New Zealand. Master in Theoretical Physics from the University of Bologna, Italy. His research interests include Relativistic Cosmology, as well as the Philosophy of Physics
في كتير من الاحيان الواحد بيحتاج يسيب مكانه ويروح رحلة لمكان بعيد عشان يتكشفله سر أو شيء غامض في الحياة. على سبيل المثال، الواحد بيقرا في ملحمة جلجامش، وهي العمل الأدبي الأهم من تراث بلاد الرافدين، إن بعد موت صديقه الملك إنكيدو بعقاب من الآلهة، جلجامش بيقرر ينطلق في رحلة طويلة بين الجبال والأودية، ولحد نهاية العالم، هدفها انه يحصل على الخلود، وبالتالي يتجنب المصير المأساوي بتاع صديقه. بعد فشل جلجامش مرتين، واحدة منهم بسبب حيّة شريرة، انه يبقى زي الالهة، بيقتنع في الاخر ان الانسان، مصيره دايماً للموت، وأن الطريقة الوحيدة لذكراه انها تستمر هي بأنه تكون ليه ذرية تشيل اسمه من بعده.

برفقة الأخ كونسلمانيو (على اليسار) والأب جونتي (على اليمين) قدام مبنى إدارة المرصد في مدينة ألبانو
لحسن الحظ، الرحلة بالنسبالي مكنتش لحد نهاية العالم، وهدفها كان اقل بكتير من اني احاول اهزم الموت. الحقيقة أن الغرض من الرحلة كان محاولة لفهم أفضل لعلاقة غير بديهية سببت، واحياناً لسه بتسبب، إشكالية للناس على مدى زمن طويل، وهنا بنتكلم عن العلاقة بين العلم والدين (اللي هيكون متمثل في منهج اللاهوت في حالة المسيحية على سبيل المثال). من هنا كانت رحلتي لمدينة ألبانو لتسيالي (Albano Laziale) في ابريل 2022، وهي مدينة صغيرة تبعد حوالي 25 كلم جنوب العاصمة الايطالية روما. ليه المكان ده تحديداً؟ ما بين عدة اسباب تانية، لكنها موقع المقر الرئيسي لواحدة من المؤسسات الخاصة جداً في أوروبا، إن لم يكن العالم كله، وهو مرصد الفاتيكان الفلكي. عشان أفهم اكتر عن المرصد وحكايته، وازاي ممكن يساعدنا في فهم الحوار بين العلم واللاهوت، كان في استقبالي الأخ جاي كونسلمانيو اليسوعي (Guy Consolmagno SJ)، المدير الحالي للمرصد، واللي اخدني في جولة في مقرهم الرئيسي. بعدها، زُرنا واحدة من القبب اللي بتحتوي على تليسكوب، واللي مكانها موجود في حدائق الإقامة البابوية الصيفية في كاستل جاندولفو (Castel Gandolfo)، ودي بردو مدينة صغيرة مجاورة لألبانو، وبتحوى حالياً اتنين من تليسكوبات المرصد. بعد كده، استقبلني الأب جابريلي جونتي اليسوعي (Gabriele Gionti SJ)، عالم كونيّات وباحث في الجاذبية الكمّية في المرصد، واللي اتحاورت معاه في العلاقة بين اللاهوت وعلم الكونيّات الحديث، وايه كل مجال منهم يقدر يقدمه للتاني.

جولتنا بتبدأ في المقر الرئيسي للمرصد، واللي مكانه بالقرب من كاتدرائية المدينة. تاريخ المبنى ده بيعود لسنة 1630، وكان في الأصل جزء من دير موجود في المنطقة، لحد ما في 2006-2007 الكنيسة الكاتوليكية قررت انها تعيد تشكيله عشان يكون مقر إدارة مرصد الفاتيكان. بالتالي، المبنى حالياً بيحوي مكاتب الأعضاء الدائمين للمرصد، ومعمل لدراسة الخواص الفيزيائية للشهب، بالإضافة لبعض القاعات الدراسيّة وصالات العرض. معظم أعضاء المرصد رهبان يسوعيين، كلهم حاصلين على درجات علمية في مختلف مجالات الفيزياء والفلك، من أول دراسة الشهب والكويكبات لحد محاولة فهم بداية الكون. ده كده الشكل الحالي لمرصد الفاتيكان وإدارته من اول سنة 2009 فيما بعد بعد. لكن، لو حابين نعرف أصل حكاية المرصد، فمحتاجين نرجع ورا لمنتصف القرن 19، تحديداً لقصة واحد من أكثر الشخصيات المؤثرة في مجال الفيزياء الفلكية، واللي للأسف مش معروف كفاية دلوقتي، وهو الأب انجلو سيكّي اليسوعي (Angelo Secchi SJ). الأب سيكّي (1818-1878) هو مؤسس مرصد الكلية الرومانية (حالياً الجامعة الجريجورية في روما)، واللي موقعه فوق كنيسة القديس اغناطيوس دي لويولا اليسوعية في روما. يُعتبر الأب سيكّي أحد مؤسسي الدراسة الحديثة للفيزياء الفلكية، وده نتيجة تغييره لنوع الاسئلة اللي علماء الفلك كانوا مهتمين بـ إجابتها. بدل التركيز فقط على مواقع النجوم في السماء، سيكّي كان أول واحد يدرس طيف النجوم (تحليل الضوء اللي جاي من النجوم، واللي ممكن يساعد في معرفة الغازات اللي بيتكون منها النجم) وقدر انه يصنف حوالي 5000 نجم بناءً على لونهم. الحقيقة، سمعة الأب سيكّي وقتها كانت معروفة لدرجة انه اتسمحله يكمل شغل في مرصد الكلية لحد وفاته، حتى لما ملكية المرصد اتنقلت من الفاتيكان لدولة ايطاليا في 1873.

الأب أنجلو

شخصية تانية أساسية في تاريخ نشأة مرصد الفاتيكان هو الأب جوسيبي لايس (Giuseppe Lais) (1845-1921)، واللي كان أحد تلاميذ الأب سيكّي في الكلية الرومانية. اهتمام لايس بعلم الفلك بدأ لما الأب سيكّي دعاه يجي يشتغل فترة في مرصد الكلية لما كان لسه طالب، ومن ساعتها فضل شغال هناك لحد وفاة الأب سيكّي وطلب اليسوعيين، اللي كانوا بيديروا الكلية وقتها، انهم يسيبوا المرصد. بعدين في 1888، وخلال معرض للأدوات الفلكية المصنوعة من رجال دين إيطاليين بمناسبة الاحتفال بيوبيل البابا ليو ال13، الأب فرانشيسكو دنزا (Francesco Denza) (1834-1894)، مع الأب لايس، اقترحوا إن كل الأدوات دي تتجمع في مكان واحد ويتم استخدامها بغرض اظهار ان الكنيسة ورجالها مش ضد البحث العلمي. نتيجة لكده، وافق البابا ليو في 1891 على إعادة تأسيس المرصد عشان يوصل رسالة للعالم إن فعلاً الكنيسة مش ضد العلم، زي ما كان بيُشاع وقتها، وبرده عشان يأكد على استقلال دولة الفاتيكان عن إيطاليا. أول تليسكوب في المرصد الجديد كان مكانه فوق برج الرياح، واللي موقعه حالياً فوق أرشيف الفاتيكان. في الوقت ده، فرنسا قامت بدعوة الفاتيكان للمشاركة في المشروع الفلكي الدولي خارطة السماء، واللي ابتدا في 1887، كنوع من تحفيز استقلال الفاتيكان. خارطة السماء كان من أوائل مشروعات التعاون الدولي في مجال الفلك، وكان هدفه انه يصور 18 جزء مختلفين من السماء باستخدام 18 تليسكوب من نفس النوع، كل واحد منهم يمثل دولة. عشان كده، قرر الفاتيكان انه يشتري تليسكوب فوتوغرافي استوائي جديد، وكان الأب لايس، المدير المُنتدب ساعتها للمرصد، المسئول عن انه ياخد الصور في الفترة من 1892 لغاية 1903. من المثير للاهتمام ان الصور دي لسه موجودة حتى الآن في إدارة المرصد في ألبانو، بل وتم عمل نسخة إلكترونية منها عشان تتيح للفلكيين معرفة مواقع النجوم في القرن ال19.

الأمور اتغيرت شوية في تلاتينات القرن العشرين، لما الحكومة الايطالية قررت ترجع الأراضي في كاستل جاندولفو تاني لملكية الفاتيكان. بالتالي، المرصد اتنقل، نتيجة للتلوث الضوئي اللي كان ابتدا يزيد في روما، من الفاتيكان في قلب روما للإقامة الصيفية للبابا في كاستل جاندولفو، وتليسكوبات جديدة تم شرائها بناءً على طلب من البابا بيو ال11. موظفين جدد من اليسوعيين، واللي أصبحوا مسئولين عن مرصد الفاتيكان بقرار من البابا بيو في 1906، تم تعيينهم في المكان الجديد، وحفل الافتتاح للمؤسسة الجديدة كان في 1935. من ضمن الحضور مع البابا كان يوجينيو باتشيلي (Eugenio Pacelli)، سكرتير دولة الفاتيكان وأحد تلاميذ الأب لايس، واللي بعد كده أصبح البابا بيو ال12، واحد من اكتر الباباوات المهتمين بالعلوم، وخاصةً الفلك، وكان شخصية مؤثرة في دعم نشاطات المرصد. مش بس كده، ولكن نتيجة اهتمامه الكبير بعلوم الفلك، ساعد البابا بيو ال12 في شراء تليسكوب جديد من طراز شميدت من ماله الخاص. التليسكوب ده مكانه دلوقتي في القبب الموجودة في حدائق الاقامة الصيفية، مع التليسكوب الاستوائي اللي استخدمه الأب لايس في مشروع خارطة السماء، واللي اتنقل هناك من روما في 1942. القبب بردو بتحتوي معرض لأدوات علمية وفلكية استخدمها الفاتيكان في حقب مختلفة، مع جزء مخصص للعلاقة بين الفن وعلم الفلك، واللي بيحتوى على عينات من أعمال فنية تاريخية بتظهر شكل السماء ومواقع اجرام سماوية زي كوكبي الزهرة والمريخ في سنين مختلفة. القبب دي حالياً مفتوحة للزيارة لأي حد مهتم يشوف الإرث الفلكي الغني للكنيسة الكاتوليكية.

واحدة من القبب في حدائق الإقامة البابوية الصيفية في كاستل جاندولفو
تاريخ مرصد الفاتيكان بيكمل بعد كده. على سبيل المثال، البابا بولس السادس، على غرار قادة ورؤساء دول تانيين، وجه رسالة لمهمة ابوللو 11 من نفس القبب في 1968 وقت سباق الطلوع للقمر. النهاردة، المرصد بيستمر في العمل بمجموعة علماء من الأعضاء الدائمين والمُلحقين، وبتليسكوب جديد في صحراء توسون في ولاية أريزونا، الولايات المتحدة الأمريكية، واللي كان بيمثل ضرورة نتيجة مشكلة التلوث الضوئي. المرصد كمان بيشترك في عدد من الأنشطة التوعوية، واللي أهمها المدرسة الصيفية اللي بتتنظم كل سنتين لطلاب الدراسات العليا في مجالات الفلك والفيزياء الفلكية.

البابا بولس السادس مخاطباً مهمة أبوللو 11 من قبب الحدائق البابوية
كل الجولة دي كانت مجرد محاولة لإلقاء الضوء على التاريخ الطويل والغني لمرصد الفاتيكان. الجزء التاني من السلسلة دي هيكون مخصص للقائي مع الأخ كونسلمانيو، واللي حاول يركز على دور المرصد في الكنيسة الكاتوليكية دلوقتي وبعض الاشكاليات المتعلقة بالعلاقة بين الدين والعلم. بعد كده، في الجزء التالت من السلسلة، هيكون لقائي مع الأب جونتي ومناقشة عن العلاقة بين اللاهوت وعلم الكونيّات.





