طبقات المعنى وفن الغامض

كل عباره ليها مستويات مُختلفه لفهمها، المَعنى موجود دايماً ورا فرضيات عقلك بيعملها عشان يحدد المُستوى اللي هايفهم عليه العباره لو كان مفيش مُحددات -أوقات بتتسمَّى سياق- جوا العباره أو النصّ مديهالك الكاتب عشان تفهم من خلالها. ف مثلاً لو مُديرك في الشغل قالك “انت شاطر” ف المُستوى اللي هاتفهم فيه العباره هو مُستوى جَودة شُغلك، مش إنك شاطر في الطاوله مثلاً. مع غياب الوعي بإمكانيات اللغه وبقدراتها اللا نهائيه على إنتاج معاني جديده، البعض بيتخيّل إن العبارات ذات معاني مُحدده ودقيقه وثابته في حين إنها بتكون لل casual observer غامضه وبلا معنى وبلا دلاله يُستدل عليها موضوعياً.

في الإلياذه لهوميروس بيوصف الإله أطلس بإنه “الإله العالم بإعماق البحار والذي يرفع الأعمدة العظيمة التي تَفصِل السَّماء عن الأرض”. العباره دي تقدر تفهمها بسهوله ووضوح لو عرفت تصوُّر العالم القديم عن السماء بإعتبارها قُبَّه تُحيط بالأرض ومرفوعه على أعمده. لو إنت متعرفش إن الناس كانت شايفه العالم كده هاتضطر تحط للنصّ فرضيّات خارجيَّه ad hoc من عندك ومن ثقافتك انت عشان تلاقي معنى منطقي للنصّ، ف ممكن مثلاً تقول إن الأرض هي كوكب الأرض، وإن السّماء هي الأجرام السماويّه أو المجموعه الشمسيّه وإن الأعمده اللي بيرفعها أطلس هي قوى الجاذبيّه والقصور الذاتي اللي بتخلي الكواكب متقربش من الشمس ولا تبعد عنها وتنفصل في ما تكون أعمده ماسكه الأجرام ببعض.

التفسير التاني ممكن يكون مقبول بالنسبه لواحد في القرن 21 ولكنّه في الحقيقه مجموعة مُغالطات منطقيّه في بعض، الأولى منها هي ال anachronism، وهي إنك تنسب شئ حديث لوقت قديم مكانش الشئ ده موجود فيه. عشان تقدر تقول إن التفسير التاني صح لازم تثبت إن كل الكلام اللي مُستخدم في التفسير من معرفه بالكواكب وعلاقة الأرض بالشمس وأنوع القوى من جاذبيّه وقصور ذاتي كانت معروفه ومفهومه كويس وقت هوميروس. ثانياً، مينفعش تستدل من جمله مكونه من أربع خمس كلمات على نظريات معقده جداً بيتم شرحها في كتب كامله. ثالثاً، في قاعده منطقيّه إسمها Occam’s razor بتقول إن لو عندك تفسيرين لظاهره و التفسيرين مُتساويين في القوَّه التفسيريّه والعمق التفسيري explanatory power and explanatory depth (يعني يقدرو يفسرو جميع جوانب الظاهره بكفاءه) ف التَّفسير الأقل إفتراضيّه واللي بيعتمد على عوامل أقل هو التّفسير الأفضل منطقياً.

يعني ممكن مثلاً تقول إن هوميروس كان راجل عنده قدره كبيره على التأمل وفهم أبعاد الكون بشكل يتخطّى فهم كل الناس في وقته، وإنه تكشَّفت ليه حقائق طبيعة الكون وإنه فهمه وحطها ك codes في كتاباته. الفرضيّه دي عشان تثبتها محتاج أولاً تثبت إن الإنسان ممكن يتحققله معرفة قوانين الفيزياء بالتأمُّل، وإن هوميروس بالتّحديد حقق ده بشكل أكبر من كل البشر التانيين، وإنه بعد ما فهم الطّبيعه إستخدم رموز مُعيَّنه عشان يوصلهالنا في الإلياذه والأوديسه، ولازم تشرح ليه هوميروس مقالش الأفكار بشكل واضح ولجأ للرمز في حين إنه كان ممكن يشرح كل حاجه بوضوح وساعتها كنا هانقدَّر كتاباته أكتر لإنها علميه وواضحه ومباشره وأثبتت صحة معلوماتها بدقه.

ولكن بحسب Occam’s razor الحلّ الأسهل هو إن هوميروس بيستخدم ال worldview المُتاح في وقته وإن العباره اللي إستخدمها عن أطلس “الإله العالم بأعماق البحار والذي يرفع الأعمدة العظيمة التي تَفصِل السَّماء عن الأرض” يُفضَّل فهمها في ضوء تصوُّر السماء كقُبَّه مُحيطه بالأرض. وبالمُناسبه التصوُّر ده أقدم من هوميروس وهو هو نفسه موجود عن المصريين القدماء  وكمان هو التصوُّر نفسه موجود عند اليهود، في سفر أيوب (26 : 11) مثلاً هاتلاقي السماوات ليها أعمده.

مثال تاني لعباراه غامضه في كتابات هوميروس هي إنه بيوصف بوسايدن إله البحار والمُحيطات في عند اليونان بإنه “مزلزل الأرض”. ممكن ببساطه حد في القرن 21 يروح يقرا عن الزلازل، وهايلاقي زلازل كتير بتحصل بيكون مصدرها المُحيطات، ويقول إن هوميروس كان فاهم ظواهر زي السونامي وعشان كده ربط الزلازل بالبحر ونسبها لعمل إله البحر بوسايدن. وفعلاً لو دورت على الإنترنت هاتلاقي معلومات كتير عن الزلازل اللي منشأها قاع المُحيط. ولكن عشان تقدر تقول إن التفسير ده صحيح، لازم يكون عندك سبب يخليك تستثني التَّفسير السهل وهو إن أي حد عايش في المناطق القريبه من المُسطحات المائيّه هايشوف إزاي أمواج المحيطات بتصطدم بشكل مُرعب بالأرض وأوقات بتغرقها، وإن أي حد شاف ده بعينه -ما بالك هو عاش في المنطقه دي- من السهل يستخدم الوصف اللي إستخدمه هوميروس، زي ما الأدب اليوناني شاف البرق اللي بيحصل فوق البراكين ووصفه بإنه صراع ما بين زيوس وكرونوس.

بإختصار شديد، الإلتجاء لسَد فراغات غموض النصّ بفرضيات لا تنتمي لزمن ظهور النصّ ولا لسياقه هي مُغالطه هاتنتج عدد لا نهائي من التّفسيرات اللي ولا واحد منها هايقدر يأصَّل نفسه بإعتباره تفسير أصلح وأقرب من غيره. في الأدب مفيش أكتر من الغامض، اللي بيستثير فيك الرغبه المُستمرَّه في البحث ومُحاولة فهمه. عشان تقدر تحقق فِهم مُتَّزِن لازم تستخدم أدوات متكونش معيبه منطقيّاً، ولازم تفصل نفسك ومعارفك الناتجه من زمنك عن النصّ وعن المُتاح في عصره وبيئته، وده للأسف بيتطلَّب جَهد كبير أغلب الناس مبتحبش تعمله وبتميل للحلول السّهله المعيبه منطقيَّاً وأدبياً واللي بتكون غير مُنصفه للنصّ نفسه وبتمنع القارئ من فهمه وتقديره بشكل سليم.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *