المُعجزة (موضوع مُتجدد)

الفصل الأول: شهادة الجموع

واحد من الأسئله الصعبه في سؤال المُعجزه هو: هي المُعجزه لمين؟ للي جوا جماعه مُعينه عشان تأكِّد قناعاته ولا للي برا جماعه مُعينه عشان تقنعه بفِكر الجماعه؟ أنا هنا مش هاناقش المُعجزه بمعناها الدِّيني – لأن ده ليه متخصصين فيه يقدرو يناقشوه، ولكن هاناقش المُعجِز كنوع من الخطاب اللي بيخدم آجنده مُعيَّنه. قد يتبادَر لذهنك للوهله الأولى إن المُعجزه آداه دينيه حَصراً، الهدف بتاعي في المَقَال ده هاحاول أغير وجهة نظرك وأقنعك إن المُعجزه أكبر من كده وإنها آداه أدبيَّه ونوع من السَّرد والخِطاب بيخدم أهداف آيديولوجيه، أوقات بتتقاطَع مع الدِّين وأوقات لأ.

خليني مثلاً أحكيلك قصه، يوم الأحد 12 مارس 2017 كانت الشرطه بتحقق في واقعه غريبه عجيبه حصلت في منطقه إسمها عزبة عمرو البحرية في قرية صفط خرسا في بني سويف. أهالي القريه راحو حفرو قبر شيخ كان إسمه الشيخ رمضان وخرجو جثته بعد 73 يوم من موته. السبب كان إن أكتر من 50 واحد من أهل القريه شافو رؤيا فيها الشيخ رمضان في حديقه واسعه كأنها الجنه، ف قرروا يخرجوه عشان يعملوله ضريح. بالمعطيات دي ممكن واحد يقولك اللآتي: (1) أولاً المُعجزه مش مُستحيله، (2) هاكدب خمسين شخص مالهومش مصلحه ليه، (3) علم النفس بيثبت إن الهلاوس الجماعيه مبتحصلش.

هاترفع حاجبك كالعاده وتقولي يعني عايز إيه؟ عايز من الموضوع كذا حاجه، الأولى إن مش أي شئ بيجتمع عليه عدد من الناس هو بالضروره حقيقي. البشر بيتحكم فيهم مجموعه من العوامل شديدة التعقيد وأكثر أولويه من المصلحه والصِدق والكدب. إتنين من العوامل دي هم ال false memory وال pareidolia. ال false memory أو الذاكره الكاذبه هي إن شئ يحصل وانت تفتكره بطريقه تانيه، ودي أسبابها كتير، كنت ف مره حكيت القصه دي بس نحكيها تاني كمثال كويس على الموضوع:

“إمبارح حصلي false memory غريبه جداً. خلصت شغلي في المدرسه ولميت حاجتي ونسيت القلم بتاع اللابتوب. طول الطريق ولحد ما رجعت البيت وإبتديت شغل الساعه ٥ مفيش في دماغي غير صوره واحده هي إن أنا لميت حاجتي وخدت القلم وبصيت مكان ما القلم كان موجود وإتأكدت إني خدته. الكلام ده كله حصل قبل ما أكتشف إن القلم مش معايا لما جيت أشتغل. ال false memory دي تحديدا غريبه في إنها حصلت في خلال فتره قصيره جدا وإنها مش بس عن إني أخدت القلم لكن كمان عن إني إتأكدت إنه مكانش موجود على المكتب قبل ما أمشي. اللي شككني إنها false memory هو إنها مش منطقيه، لو أنا حطيت القلم في الشنطه هاحتاج أبص مكان ما كان محطوط واتأكد إنه مش موجود ليه؟ يبدو إن عقلي مدرك إني كنت ناوي أخد القلم ومخدتوش ف عمل false memory عن اللي أنا كنت “ناوي” أعمله. غالبا الحواس بتكون شغاله وبتتابع تفاصيل إحنا مش مركزين فيها. يعني ممكن تكون عيني شايفه القلم على المكتب لكن أنا تفكيري مشغول بحاجه تانيه ف الوعي بيحاول يحل مشكلة القرار اللي متنفذش ب false memory تملى الفراغ ده. المشكله كم اليقين اللي أنا كنت مروح بيه البيت إني مش ناسي حاجه وإني مسيبتش القلم على المكتب .. الوعي شئ يخوف خصوصاً لما نكتشف إنه بيلعب بينا للدرجه دي.”

هاتقولي لأ، مش مقتنع إن الكلام ده بيحصل. طب إسمع دي … لما حصلت حادثة 11 سبتمبر متخصصي علم النفس إستغلو ضخامة الحدث في إنهم يعملو تجارب ليها علاقه بقدرة الناس على تذكر تفاصيل حدث مُفاجئ بالأهميه دي. واحد منهم كان William Hirst وكان عامل مُقابله مع جريدة Times بيحكي فيها التجارب اللي إشتغل عليها. من ضمنها كان واحد إفتكر إنه وقت الحادثه كان في الشارع في حين إنه فعلاً كان في مكتبه. تفسيره للظاهره دي إن الذاكره بترتب الأحداث بحيث تبدو منطقيه أكتر أو مُتَّسِقه أكتر، وبمجرد ما كان في تصوُّر مُتَّسِق بيثبت وبيستمر. المعيار هنا بالنسبه للذاكره مش إيه اللي حصل بالظبط، ولكن إتِّسَاق القصه اللي هاتفتكرها في المُجمل. هاتقولي لأ بردو ده مُجرَّد حدث بسيط مش مؤشر مقنع لأخطاء الذاكره. طب إقرا الإشكاليات القانونيه دي:

سنة 1975 تم خطف روبرت هينسون المدير المساعد لفرع من فروع Collin’s Department Store، الخاطفين (كانو اتنين) حطوه في عربيه Dodge Dart لونها أبيض وراحو بيه على الفرع عشان يفتحلهم الخزنه. لما قالهم إنه ميعرفش أرقام الخزنه سابوه يمشي بعد ما خدو الفلوس اللي في جيبه (35 دولار).

لما هينسون إتخطف في العربيه شاف وش اللي خطفوه للحظه قبل ما يلبسو حاجات يغطو وشهم بيها.، وطبعاً هينسون راح بعد ما سابوه بلغ الشرطه وقالهم إن واحد من اللي خطوه كان شكله Hispanic وإن واحد منهم كان شبه واحد قدم في وظيفه في الفرع عنده من فتره. بناءاً على التفاصيل دي الشرطه رسمت صوره للخاطف ووزعتها، وبعد 3 أيام تم القبض على إتنين إخوات سايقين عربيه Dodge Dart  بيضا، الإتنين كان إسمهم Lonnie Sawyer اللي كان عنده 18 سنه و Sandy Sawyer سنه 20 سنه.

في المحكمه هينسون قال إن لوني وساندي هم اللي خطفوه فعلاً وإنهم هددوه بالسلاح. وبالرغم من إن لوني وساندي قدمو دليل على تواجدهم في أماكن تانيه وقت الحادثه تمت إدانتهم بالفعل وإتحكم عليهم ب 28 – 32 سنه للوني و 32 – 40 لساندي عشان كان عليه جريمه قبل كده ف خد حكم مُغلَّظ.. بعد مُحاكمتهم لوني وساندي قالو لأهلهم إنهم لازم يطعنو في الحكم ده لإنهم معملوش أي جريمه.

الأهل فضلو ورا الموضوع وإستعانو بمحققين عشان يحاولو يكتشفو الحقيقه. وبعد فتره واحد من المسجونين في السجن اللي كان فيه لوني وساندي قال إن في واحد إسمه روبرت توماس كان واحد من اللي خطفو هينسون. واحد من المحققين قرر يمشي ورا المعلومه دي ولقا إستماره بإسم توماس كان ملاها عشان يقدم على وظيفه في Collin’s Department Store وكمان لقا واحد صاحب توماس كان عند اهله عربيه Dodge Dart بيضا. سنة 1977 تمت إعادة مُحاكمة الأخين وتم الحكم ببرائتهم يوم 7 يناير.

لوني وساندي كانو محظوظين أكتر من المتهمين في جريمة القتل اللي حصلت يوم 15 ابريل 1920. في اليوم ده كانت Annie Nichols واقفه في الشباك وبتريح شويه من شغل البيت. في اتنين رجاله ظهرو، واحد كاشير في مصنع شايل شنطة فلوس والتاني الحارس بتاعه. وفجأه واحد من اتنين كانو ساندين على السور في الشارع طلع مسدس وقتل الحارس. الكاشير كمان إتقتل وهو بيحاول يحمي الشنطه اللي كان شايلها. كل ده و آني نيكولز متابعه الموضوع من الشباك، وفجأه جت عربيه خدت الإتنين اللي إرتكبو الجريمه وخدو الفلوس وهربو.

آني وباقي الناس معرفوش يدو الشرطه أي تفاصيل عن اللي عمل الجريمه. واحد قال إن واحد منهم كان أسمر، لكن شاهد تاني قال إنه كان شعره فاتح جداً وغالباً سويدي أو فنلندي. شاهد تالت قال إن اللي كان سايق العربيه كان عنده شنب، وبعد كده غير كلامه وقال إن مكانش عنده شنب وكان حالق دقنه كويس.

بعد كام إسبوع إتقبض على نيكولا ساكو (صانع احذيه) وبارتولوميو فانزيتي (صياد سمك) وإتهموهم بالقتل والسرقه. الإتنين كان بالفعل معاهم سلاح، وساكو كان معاه نفس نوع السلاح اللي إتعملت بيه الجريمه. لكن محدش منهم كان عنده أي سجل إجرامي.على الرغم إن الشهود معرفوش يدو أي تفاصيل عن اللي عملو الجريمه وكان كل كلامهم متناقض وكذا حد منهم قال إنه مشافش كويس، وقت المُحاكمه الخمس شهود قالو إن ساكو واحد من اللي عملو الجريمه. أربعه من الشهود قالو إن فانزيتي كان واقف قريب من الجريمه، على الرغم إن واحد من الشهود قال لصديق ليه إنه إستخبى أول ما شاف المسدس وإنه مش هايعرف اللي عملو الجريمه لو شافهم تاني. بالرغم من إنهم قالو إنهم مشافوش كويس إلا إن كل الناس اللي كانت مش متأكده كلهم تحولو لناس واثقه تماماً من كلامهم وإتهمو ساكو وفانزيتي.

بالرغم إن ساكو وفانزيتي قدرو يقدمو دليل على إنهم كانو في أماكن تانيه وقت الجريمه (ساكو كان في القنصليه الإيطاليه وكان واخد معاه صوره عائليه يجدد بيها الباسبور بتاعه والموظف إفتكره لإن الموقف كان غريب ومضحك، وفانزيتي كان بيصطاد في منطقة Plymouth وفي تاجر إفتكره هناك) إلا إن محدش أخد بشهادة الشهود دول وإعتبرو شهود الإثبات شهادتهم أقوى وإتحكم عليهم بالإعدام وتم التنفيذ يوم 23 أغسطس 1927.

المواقف دي ومواقف تانيه كتير توريك إن الذاكره مش بالبساطه بتاعت إن حاجه حصلت وانت شوفتها ف بتفتكرها. أوقات وإحنا بنفتكر بنضيف حاجات للذكريات بتاعتنا بالرغم من إنها حصلت بعد الحدث نفسه. يعني ال experience بتاعتك عن توابِع الحدث هاتخليك تفتكر الحدث بشكل مُختلف. ده ممكن يكون واحد من العوامل اللي تخلي عدد كبير من الناس يتخيلو إنهم شافو رؤيا لشيخ في الجنه. لما القصه إتحكت قدامهم كذا مره الناس إتعاملت مع الوصف اللي سمعوه وإتحول لحاجه vivid بقو هم نفسهم بيتعاملو معاها بإعتبارها حاجه شافوها شخصياً. زي مثلاً لما موقف في السياق اللي انت عايش فيه يتحكي قدامك ولأنه وارد يحصل معاك انت نفسك ممكن تحكيه بإعتباره حصل معاك شخصياً وتلاقي نفسك مش فاكر حصل إمتا بالظبط ولا حتى تبقا متأكد إنه حصل معاك أو مع حد تاني بس إنت قادر تتخيله أو تفتكره بشكل vivid. هنا الموضوع يتخطى الصدق والكذب، وأعقد بكتير من ال binary الساذج ده.

ال pareidolia بقا قصه لطيفه جداً. خليني أحكيلك قصه تانيه حطها جنب الاولى وبعد كده أقولك إيه هي ال pareidolia. في ديسمبر 2009 كان في كلام كتير عن ظهور للعدرا فوق كنيستها في الوراق. في الوقت ده حصل تكرار كتير لكلام بين الناس في كذا حتى إن في ظهورات فوق كنايس تانيه. من ضمنهم الكنيسه اللي في شارعي. ف أنا شخصياً نزلت ووقفت وسط الناس، وكانت الناس بتشاور على السما وبيقولو إنهم شايفين الظهور، وحرفياً مفيش حاجه نهائي. أنا شخصياً شوفت ناس في حاله أشبه بال group hallucinations وكلهم بيشاورو على حاجه مش موجوده، على الأقل في عينيا أنا وفي عيون كذا واحد أعرفهم كانو واقفين جنبي مكانوش شايفين حاجه بردو.الناس مُتقنعه إن الظهورات بتحصل، وبالتالي لما بيشفو أي نور في السما لأي سبب بيبتدو يشوفو النور ده بإعتباره قريب لشكل معين. زي مثلاً الناس اللي بتقرا كلمات على بطاطسايه أو على حجر، أو الناس اللي بتشوف صور في فناجين القهوه وفي السَّحاب. طبعاً ده مينفعش يكون تفسير لكل الظهورات، في ظواهر أكثر تعقيداً وشافها ناس أكاديميين كمان، يعني عندك ظهور الزيتون ده مثلاً عليه شاهده أمريكيه متخصصة sociology إسمها Cynthia Nelson كانت شغاله في الجامعه الأمريكيه في مصر ساعتها، وراحت بنفسها وشافت الظاهره وكتبت عنها ورقه بحثيه شديدة الغرابه (لو حد إهتم يقراها يبقا يبعتلي ندردش فيها)، تقدر تلاقي الورقه دي بعنوان The Virgin of Zeitoun، وهاتلاقيها على موقع Cambridge University Press وهاحطلك اللينك في أول كومنت.

وبالتالي كل موقف محتاج يتدرس على حدى من غير ما نفتح باب التصديق على البحري، وفي نفس الوقت محتاجين نكون واعيين إننا كبشر أكثر تعقيداً من التصورات ال simplistic اللي بنفترض الكون ماشي بيها اللي من نوعية كام واحد شاف حاجه ومفيش سبب منطقي يكدبو تبقا الحاجه دي حصلت. معيار الصدق والكدب في حد ذاته بيفترض إن الإنسان واعي لكل حاجه بيعملها وبتحصل جوا دماغه وده أساساً فرض شديد الخطأ، بل على العكس، أغلبيه اللي بيحصل في دماغنا إحنا مش واعيين ليه تماماً، ومع تطور العلوم اللي زي ال Cognitive Psychology وال Neuroscience بدأت التصورات القديمه تبان أد ايه هي ركيكه وإختزاليه وتسطيحيَّه جداً.

من الكافي جداً إن الإنسان يكون عنده إستعداد يصدق. في عالم لا مُتناهي الإحتمالات كل القواعد فيه قابله للكسر مش هايبقا غريب على الإنسان إنه يصدق في إن القواعد تتكسر قدام عينيه. مجرد ما فتحت باب الوعي لمقدمات متقدرش تتحقق منها هاينتهي بيك الحال لتصديق كل شئ، وهاتحتاج تعمل مجهود كبير عشان تُعيد توفيق رؤيتك مع الواقِع. ده مش هايتحقق غير بإنك تجبر نفسك تلتزم بالدليل، وفي الأول ده هايكون شاق ومُرهق، لكن في مرحلة ما هاتقدر تتأقلَّم مع تحَرِّي الدليل والإلتزام بنتايجه.

الفصل الثاني: ما بين ڤسپاسيان وحسن البنا

في الفصل اللي فات كلمتك عن شهادة الجموع عن الحَدَث المُعجز، وإتفقنا على إن إنتشار خبر بين الناس مش معناه بالضروره إن الحدث ده حصل بسبب إعتبارات سايكولوجيه كتيره مكانتش معروفه زمان ولكنها دلوقتي معروفه بشكل إمبريقي، وكمان إديتك أمثله منها أمثله أنا عيشتها شخصياً وأمثله حصلت سواء في مصر أو برا مصر. وإتفقنا بردو إن كل حدث محتاج يتدرس على حدى من غير ما نفتح باب كسر الطبيعه على البحري. النهارده هانتكلم عن الدور الآيديولوجي للمعُجزه، إزاي بتتسِرِد عشان تدعَّم آيديولوجيا وإزاي السَّرد ده سِمه عامه عند أغلب الجماعات.

وطبعاً أنا مش هاكلمك عن المُعجزات اللي تعرفها ولا هدفي أقولك إنها “مش ممكن تحصل”، ببساطه الله قادر على كل شئ! بس خلينا في المُعجزات اللي ممكن متكونش سمعت عنها عشان تشوف الظاهره في السياق الأوسع ووسط جماعات انت ممكن متكونش متخيل إن عندها مُعجزات. هانبتدي من زمان شويه من عند الناس الوثنيين! بعد ما إنتصر الإمبراطور ڤسپاسيان في صِراعه مع ڤيتيليوس قدر يكون الحاكم الأوحد، وبدأ دعايا إمبراطوريه عشان تدعَّم حُكمه، ومشي على خُطى الأباطره اللي قبله زي يوليوس قيصر، وأغسطس قيصر، وكلاوديوس. يوليوس قيصر نال ألقاب إلهيه، ومن بعده أغسطس تم تأليهه وبقا بيتقال عليه إنه “إله إبن إله”. وقرر ڤسپاسيان يمشي في نفس الخط ويدعَّم نفسه بآيديولوجيا تحمي مُلكه من أي ثورات وتديله سُلطه على عقول وقلوب الناس. من ضمن الدعايا دي إنه كده راجل تقي بيعمل مُعجزات! لأ وكمان في مؤرِّخين بينقلو المُعجزات دي كمان، ومؤرخين مشهورين زي تاسيتوس وسويتونيوس وكاسيوس ديو (أول اتنين عاشو في عصر ڤسپاسيان).

المُعجزه الأولى اللي بيحكوها إن في إتنين من إسكندريه واحد كفيف والتاني إيده مشلوله لما شافو الإمبراطور جي رمو نفسهم قدامه وطلبو منه يشفيهم لأن الإله سيرابيس ظهرلهم وقالهم إن الإمبراطور عنده القدره يشفي الإعاقات، وكمان سيرابيس حدد طريقة الشفاء هاتحصل إزاي. بحسب سويتونيوس في كتابه عن ڤسپاسيان الفصل 7 والفقره 2 و 3 سيرابيس قال إن بُصاق ڤسپاسيان هايشفي الكفيف ولمسه من كعب رجله هاتشفي اللي إيده مشلوله. في الأول الإمبراطور كان متردد (بص الصياعه في الصياغه) ومش عايز يجرَّب لكن المُحيطين بيه إتحايلو عليه لحد ما قرر يحاول. ف سمع الكلام اللي قاله سيرابيس وإستخدم ال saliva بتاعته في إنه يشفي عين الكفيف وأبصر فعلاً، وبالنسبه للي إيده مش بتتحرك خلاه يمد إيده ومر بخطواته من فوق إيده ف خفت وقدر يحركها.

ڤسپاسيان مش بس كان بيشفي، ده كان بيشوف رؤى، ف مثلاً كان في معبد سيرابيس وشاف رؤيا عن واحد إسمه بازيليدس، وكان مريض وطريح الفراش في مدينه بعيده. في رؤياه شاف ڤسپاسيان بازيليدس وهو بيُغدق عليه العطايا الرمزيه وكأنه بيتوِّجه بالحُكم.

سويتونيوس بيحكي إن بعد موت ڤسپاسيان جه إبنه تيطس، وحصل في وقته في سنة 80م وباء شديد. اللي سويتونيوس بيقوله إن تيطس أخد الرداء بتاع أبوه وقدم نفسه بإعتباره سيرابيس الجديد وبدأ يلمس الناس ويشفيهم. بيقول Trevor Luke في ورقه بحثيه نشرها في 2010 وتحديداً في صفحة 85 إن معجزات تيطس كانت معروفه في وقت مبكر مقارب للوقت اللي كتب فيه المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس كتابه عن حروب اليهود. وبيقول يوسيفيوس إن في فلسطين اليهود جففو الآبار بتاعت الميه عشان يقاومو الرومان لكن تيطس والجيوش بتاعته بالرغم من كده كان بيتوفرلها كميات كبيره من المياه بشكل معجزي.

بعد المسيحيه فضل الأباطره يعملو معجزات عادي جداً، بس بدل ما كان بيعملها سيرابيس بقت بتحصل في سياق مسيحي. ف مثلاً نقدر نقرا عن ثيوديسيوس إنه في يوم 6 سبتمبر 394 وفي وسط حرب طاحنه قرر ثيودوسيوس يطلب معونة الله ولما صلى جت رياح عظيمه وضربت جيش الأعداء وفرَّقت أسلحتهم ف مقدروش يطلقو ولا سهم واحد، وغطت سحُب عظيمه من التراب جيش الأعداء وأجبرتهم يقفلو عينيهم ف هاجمهم جيش الإمبراطور وقتلهم كلهم. دي القصه برواية المؤرخ ثيودوريت .. وده يوريك إن مش معنى إن واحد قالك أنا بكتب تاريخ إنه بيكتب تحقيق صحفي بالمعنى المعاصر، الكتابات التاريخيه الكلاسيكيه بتخلط الأحداث بالميتافيزيقا عادي جداً، أهم حاجه المُنتج النهائي يحقق الآجنده بتاعته ويقدِّم البروباجاندا اللي الكاتب عايز ينشرها بين الناس.

في سياق موازي هاحكيلك قصه مشابهه، قصة واحد كان بيهاجم مُعسكر الأعداء في مهمه شديدة الخطوره، ولما دعى ربنا إستجابله وخلى جيش العدو ميشوفوش ف دخل من بواية المُعسكر ونفذ عمليته جوا المُعسكر وخرج ومحدش شافه تماماً بشكل مُعجزي. لأ لأ، ده مش من جيش ڤسپاسيان ولا تيطس، ده جهادي بيحكي عنه حسن الهُضيبي المُرشد التاني للإخوان (هاتلاقي القصه ومصدرها في كتاب Noha Mellor بعنوان Voice of the Muslim Brotherhood صفحة 44). قصة الجهادي ده إنه كان بينفذ عمليه ضد الإنجليز في الأربعينات من القرن اللي فات بهدف إنه يدمر مستودعات ذخيره بالقرب من قناة السويس، وبيقول الهُضيبي إن المُعسكر كان شديد الحراسه وإن الإخوه كانو حاسين بالإنكسار وضمائرهم بتأنبهم على ذنوبهم، وبعد ما الأخ دعى وطلب المغفره من ربنا حصلت المُعجزه ولقا أبواب المُعسكر بتتفتح لوحدها وربنا أعماهم عن إنهم يشوفوه.

نفس خط المُعجزات بيمثل جُزء أساسي من آيديولوجيا الإخوان، في فيديو مشهور ليها -وفي مُذكراتها بعنوان أيام من حياتي- بتقول زينب الغزالي إنها إتعرضت لتعذيب كتير في السجون المصريه ولكن كانت بتشفى بشكل مُعجزي .. بتحكي قصتها كالتالي: “الكلاب تتسلق جسدي كله، أحس أنيابا في فروة رأسي، في كتفـي، في ظهري، أحسها في صدري، في كل جسدي، أخذت أنادى ربى هاتفة” :اللهم اشغلني بك عمن سواك ، اشغلني بك أنت يا إلهي يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد، خذني من عالم الصورة، اشغلني عن هذه الأغيار كلها، اشغلني بك، أوقفـني في حـضرتك، إصبغني بسكينتك ،ألبسني أردية محبتك، ارزقني الشهادة فيك والحب فيك والرضا بك والمودة لك وثبت الأقدام يا ﷲ، أقدام الموحدين. “كل هذا كنت أقوله بسري، فالكلاب ناشبة أنياباً في جسدي. مرت ساعات ثم فتح الباب وأخرجت من الحجرة. كنت أتصور أن ثيابي البيضاء مغموسة في الدماء، كذلك كنت أحس وأتصور أن الكلاب قد فعلت. لكن يا لدهشتي، الثياب كأن لم يكن بها شيء، كأن نابا واحدا لم ينشب في جسدي. سبحانك يا رب، إنه معي، يا اﷲ هل أستحق فضلك وكرمك ، يا الله إلهي لك الحمد.”

قصص مُماثله كانت بتتحكي عن حسن البنَّا نفسه، ف مثلاً بيحكي محمود عبد الحليم في كتاب الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ (بردو الإقتباس موجود في كتاب Mellor ص44) إن حسن البنا كان بيصلي ليلة الإمتحان وظهرله شيخ ماسك الكتاب وبيقرا بعض الأجزاء منه، وهي نفس الأجزاء اللي جت في الإمتحان. وفي كتاب طارق البشري، الحركة السياسية في مصر ص132 بيحكي إزاي أبو حسن البنا بيقول إنه وهو طفل رضيع تم إنقاذه بطريقه مُعجزيه من حيَّه كانت وصلت لحد راسه، وإنه نجا من مواقف تانيه كتير بشكل مُعجزي زي إن وقع عليه هو وأخوه سقف البيت لكن السقف إتحجز في السلم ومحصلهومش حاجه وإنه كان مره على فرس وكانت راسه هاتتخبط خبطه قاتله ف “ألهمه الله” إنه يستلقي على ظهره وهو على الحصان عشان راسه تمر من الحاجز .. وما إلى ذلك.

طبعاً هنا تصديقك أو عدم تصديقك للروايه هايتوقف على هل انت أصلاً مُتبنِّي فكرة المجموعه اللي بتحكي القصه ولا لأ. يعني لو جبتلك زي القصه دي عشرات الامثله من التراث القبطي هاتصدق القصه اللي تنتمي لجماعتك وهاترفض قصة الآخَر. المعيار هنا هو انت واقف فين مش المعيار هل نقدر نتحقق من القصه تاريخياً. هو ده بالظبط اللي أقصده لما قولت في الاول إن المُعجزه أدبياً ليها دور آيديولوجي. المُعجزه بتخدم آجندة مجموعه مُعينه، ولازم تكون مُدرك في التعامل مع الظاهره عن أغلب الوقت الموضوع بيتخطَّى القدره على الإثبات، لأن المُتلقِّي أساساً مُهيَّأ للتصديق بدون إثبات. ده مش إحتجاج على “إستحالة” حدوث المُعجزه، لأن ده في حد ذاته إدعاء غير قابل للبرهنه لأن محدش يقدر يثبتلك النفي، ولكن تقدر تعتبرها دعوه للنظر للروايات المُعجزيه بنظره أكثر رحابه، مش بإعتبارها تاريخ مُجرَّد لا تشوبه الآيديولوجيا ولا الآجندات السياسيه، ولكن بإعتباره حدث ذو سياق وبيستهدف جماعه مُعينه عشان يدعَّهم فكرتها عن شخص مُعيَّن.

كنت كتبت قبل كده مقال طويل عن قصة حرب الملائكه ومعركة Mons، وهاعيدلك جُزء تاني منه هنا لأنه مُرتبط جداً بموضوع الرغبه في التصديق:

في الحرب العالميه الأولى سنة 1914 وتحديداً ما بين يوم 22 و 23 أغسطس، إشتبكت قوّه بريطانيه مع الألمان عشان يأمنو تراجُع الجيش الفرنسي في مدينة Mons. عدد الجيش الألماني كان أكبر بكتير من القوّه البريطانيه ولكن ليوم قدر البريطانيين يصدّو الألمان وإنسحبو في اليوم التالي. لحد هنا القصه عاديه ومفيش أي شئ غريب.

يوم 29 سبتمبر من نفس السنه (بعد الموقعه المذكوره بحوالي شهر وإسبوع) نشر الكاتب الويلزي Arthur Machen قصه قصيره بعنوان The Bowmen أو “رجال القوس” في جريده إسمها The Evening News، وكانت القصه مُستوحاه من أحداث موقعة Mons لإنه كان متابع أخبار الموقعه وكمان كتب عنها تقارير ومقالات صحفيه في خلال الشهر والإسبوع دول. قصة Machen كانت بتحكي عن جندي طلب مُساعدة قديس (Saint George) والقديس بعتله كتيبه بأقواس وأسهُم ودمرو كتيبه ألمانيه. أسلوب القصه يندرج تحت نوع أدبي إسمه false document، في النوع الأدبي ده الكاتب بيكتب قصه غير حقيقيّه يمتزج فيها المُختلق بالتاريخي والأسطوري بالواقعي.

في نفس العدد في كاتب تاني نشر قصه إسمها Our Short Story في نفس الجريده. ولسبب ما بدأ Machen يجيله رسايل كتير بتطلب منه ينشر مصادر تأكد الأحداث اللي حكاها في القصه القصيره بتاعته. اللي حصل إن الناس خلطت ما بين قصة Machen وما بين إسم القصه التانيه Our Short Story وإفتكرو إن Machen بيدّعي إن الأحداث اللي حكاها حقيقيّه. لكن Machen رد وقال إن معندوش أي مصادر لإن القصه مش حقيقيّه وإن معندوش أي رغبه في إنه يختلق إشاعات، هو مُجرّد بيستخدم نوع أدبي مُشوِّق مش أكتر.

بعد شهر أو إتنين جاله طلب من مجله تبع كنيسه بيطلبو منه ينشرو القصه في pamphlet، ووافق Machen. لكن إتفاجئ بعدها إن القس المُشرف على إصدار المجله باعتله بيطلب منه يكتب تقديم للقصه ويحكي فيها المصادر بتاعته. ف Machen قاله مفيش مُشكله تنشر القصه لكن مفيش مصادر، ف رد عليه القس وقاله إن أكيد في مصادر بما إن القصه حقيقيّه. ف رجع Machen بعتله تاني وقاله إن القصه مش حقيقيّه. ونشر كتاب سنة 1915 إسمه The Bowman and other Legends of the War كتب فيه إن يبدو إن في مجموعه في كنيسه معينه إنتشرت بينهم القصه على إنها معجزه حقيقيه عشان كده كانو مهتمين يتواصلو معاه وينشروها وإن الروايه الأدبيه اللي كتبها إتحولت لقصه دينيه مُنتشره على scale كبير بيشبهه بكرة التلج اللي وصلت لحجم رهيب إضطره إنه يشرح للناس كل شويه إنها مُجرّد fiction.

سنة 1915 نشر مجله دينيه بريطانيه إسمها Spiritualist أخبار عن رؤى ناس شافتها وقت معركة Mons، وإن في ملايكه تدخلت عشان تصُد الألمان وإن هو ده سبب قدرة الكتيبه البريطانيه على الإستمرار ليوم كامل في وقف زحف الجيش الألماني اللي كان يتخطاهم في العدد بشكل كبير جداً. مش بس كده، ده بدأت الناس تتكلم عن تفاصيل الملايكه ولبسهم، لدرجة إن في ناس كانت بتقول إنهم شافو جثث الجنود الألمان وفيها جروح الأسهم.

بعض القصص دي وهي بتنتشر كانت بتبقا مصحوبه ب arguments هدفها تخفي أسماء الأشخاص اللي منسوب ليهم إنهم شافو تفاصيل الحادثه، ف مثلاً البعض كان بعد ما يحكي القصه بيقول إن لأسباب عسكريه أسماء شهود العيان اللي شافو الظهور مش هاتُعلن. وطبعاً كل المُحاولات اللي إتعملت لتتبع القصه ومصادرها واللي شافوها كانت بتوصل لإن مفيش أي حاجه تماماً، حتى المصدر الأول ليها كان بيعاني عشان ينفي إنها قصه حقيقيّه وبيقول إن مكانش عارف يسيطر على إنتشار القصه وتطوُّرها.

كرد فعل للأخبار اللي إنتشرت في إنجلترا وفرنسا بدأت الصحف البريطانيه تنشر ردود الألمان اللي بيحاولو يشرحو اللي حصل يوم الحرب، وطلع واحد 1930 إسمه Friedrich Herzenwirth نشر مذكراته وقال فيها إن الألمان كانو بيحاولو يخوفو الإنجليز عن طريق إنهم يعكسو نور على السحاب لكن الخطه فشلت والإنجلز إعتبروها مُعجزه لصالحهم. المُشكله إن اللي طرحه Friedrich Herzenwirth في 1930 مكانش تكنولوجيا متاحه في 1914، ومفيش أي حاجه في السجلات الألمانيه بتاعت الحرب بتقول إن ده كان جُزء من الخطه ولا حتى إسم Friedrich Herzenwirth كان من ضمن القيادات اللي في الحرب أساساً، وده اللي أكدته نفس الصحف البريطانيه لما نشرت رد من المانيا بيقول إن Friedrich Herzenwirth مش شخصيه حقيقيه أصلاً.

سنة 2001 إنتشرت مقاله في جريدة The Sunday Times البريطانيه عن مذكرات وفيلم وصور بتأكد حادثة The Angels on Mons، وكانت منسوبه لجندي حارب في الحرب العالميه الأول إسمه William Doidge. القصه دي طلع عليها قصص تانيه بتقول إن ممثلين مشهورين زي Marlon Brando و Tony Kaye عايزين يشترو المذكرات دي عشان يعملوها فيلم (حاجه كده شبه إشاعات آخر التسعينات في مصر بتاعت إن عادل إمام هايسدد ديون مصر بس بشرط إن صورته تتحط على الجنيه). وبدأت البرامج والصحف تنشر أخبار الأدله الجديده اللي ظهرت والقصه تزداد تفصيلاً وتفصيلاً وبقا في مكان محدد لإكتشاف المذكرات والصور، وفي شخص معين هو اللي إكتشفها، وقصه لإكتشافها في مكان قريب من مكان ولادة Machen. كل ده عشان واحد قرر يكتب قصه قصيره خياليه سنة 1914 ومحطش عليها عنوان إنها fiction.

ختاماً، زي ما قولتلك، في فرق بين إستعدادك للتصديق بسبب تصورك عن العالم أو الآيديولوجيا اللي بتتبناها تجاه نَص أو شخص أو جماعه، وبين قدرتك على الإستدلال التاريخي على التصديق. من حقك تصدق أي شئ، والله قادر على كل شئ، ولكن كم الإدعاءات اللي من الصعب إثباتها واللي مُنتشره عند كل الجماعات يستدعي الكثير من الحذر في التعامل مع الأخبار دي. التروِّي والتعقُّل في التعامُل مع المُعجِز هم سمت العُقلاء. مش معنى إن في قصه بتدعم وجهة نظرك إنها بالضروره صح، الحِكمه تقتدي منك تعامل أكثر حرصاً مع الإدعاءات خصوصاً اللي مالهاش دليل تاريخي واللي من الواضِح إنها بتخدم آيديولوجيا أو اللي وراها ظواهر نفسيه نقدر في عصرنا الحاضر ندرسها ونفهمها بشكل أفضل بكتير من زمان.

References:
طارق البشري، الحركة السياسية في مصر -7

Similar Posts